نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
اقتصاد11‏/9‏/2026، 7:52:53 ص1

هوية التعليم في شمال شرق سوريا

لم يكن ملف التعليم يوماً في شمال شرق سوريا مجرد شأن تربوي بحت، بل ظلَّ منذ سنوات الحرب أحد أكثر الملفات ارتباطاً بهوية المنطقة وتوازناتها السياسية. فمع كل جهة تولت إدارة التعليم، تبدلت المناهج ولغة التدريس، ليجد الطلاب أنفسهم أمام أنظمة تعليمية متعاقبة لم تستقرّعلى صيغة واحدة منذ

لم يكن ملف التعليم يوماً في شمال شرق سوريا مجرد شأن تربوي بحت، بل ظلَّ منذ سنوات الحرب أحد أكثر الملفات ارتباطاً بهوية المنطقة وتوازناتها السياسية. فمع كل جهة تولت إدارة التعليم، تبدلت المناهج ولغة التدريس، ليجد الطلاب أنفسهم أمام أنظمة تعليمية متعاقبة لم تستقرّعلى صيغة واحدة منذ اندلاع الثورة السورية وحتى اليوم. من التعليم السري إلى مناهج الإدارة الذاتية قبل عام 2011، كان تعليم اللغة الكردية يجري سرّاً في المنازل، قبل أن ينتقل إلى العلن تدريجياً بعد سيطرة القوى الكردية على المنطقة. وفي 2015-2016 أُلغيت مناهج الدولة السورية بالكامل واعتُمدت مناهج الإدارة الذاتية، التي وَسّعت مبدأ التعليم باللغة الأم تدريجياً حتى شمل جميع المراحل في كوباني وعفرين والجزيرة، لتصبح لغات المكوّنات العربية والكردية والسريانية معتمدة في النظام التعليمي. غير أنّ هذا النموذج لم يحظَ بقبول جميع العائلات، إذ فضّل كثيرون إرسال أبنائهم إلى مدارس حكومية أو خاصة تعتمد مناهج الدولة، خشية عدم الاعتراف بشهادات الإدارة الذاتية عند الانتقال إلى الجامعة أو سوق العمل. قرار وزارة التربية الجديد بعد سقوط نظام الأسد، وحل قسد ومع بدء دمج التعليم ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة، أصدرت وزارة التربية والتعليم في 27 آب/أغسطس قراراً ينصُّ على تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة على ثلاث حصص أسبوعياً، إضافة إلى حصة أسبوعية لمادة الأنشطة في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية الملحوظة، وذلك بالتزامن مع توجُّه الوزارة نحو توحيد المناهج في عموم سوريا. ويتيح القرار للطلاب خلال العام الدراسي 2026-2027 فقط خيار دراسة الاجتماعيات والتاريخ والجغرافيا والفلسفة باللغة العربية أو الكردية، فيما يُسمح لطلاب التاسع والبكالوريا الذين كانوا يدرسون بالكردية إكمال مسارهم وفق منهاج الإدارة الذاتية السابق، وبحسب مصدر في المركز الوطني لتطوير المناهج، فإن ترجمة المواد المعنية إلى الكردية تجري “على عجل” لتوزيعها على المدارس قبل بدء العام الدراسي، من دون تحديد مهلة زمنية واضحة، ما أثار تساؤلات حول جاهزيَّتها فعلياً. وقال أحمد مراد عضو مجلس الشعب السوري عن محافظة الحسكة لموقع _سوريا على طول _ واصفاً القرار: بأنه “قرار سياسي” مرتبط بمفاوضات جرت العام الماضي ولم تُحسم بعد، موضحاً أنّ نطاق تطبيقه يشمل مناطق عفرين وكوباني والجزيرة، إضافة إلى حيّي زورآفا وركن الدين في دمشق ومدارس في حماة واللاذقية التي تضم طلاباً من المكون الكردي، ومرجّحاً توسُّع عدد المدارس المشمولة خلال العام الدراسي المقبل. رفض شعبي وانقسام في الآراء القرار قوبل برفض واسع من الأهالي والطلاب والمعلمين، الذين نظّموا وقفات ومسيرات في عدة مدن مطالبين بالإبقاء على التعليم باللغة الكردية وعدم اختزاله في حصص محدودة. طلاب مثل سيما أحمد و جانة مصطفى وشرفان كانوا في الوقفة الإحتجاجية ، قالوا أنهم قضوا أحد عشر عاماً أو أكثر في الدراسة بالكردية، وقد عبّروا عن قلقهم من صعوبة التكيّف المفاجئ مع المصطلحات العلمية بالعربية، معتبرين أنّ المسألة تتجاوز اللغة إلى الهوية والثقافة. في المقابل، رأت أمهات وطالبات أخريات، مثل آلاء مهران وخضرة محمد ودلشا، أن العربية ضرورية لارتباطها بالجامعات وسوق العمل والحياة اليومية في سوريا، مع تفضيل بعضهن تخصيص حصص متساوية للغتين. في لقاءات خاصة لموقع “سوريا على طول“ بين الحق اللغوي والقرار السياسي يرى الكاتب والمترجم عبد الله شيخو أنّ ما يخسره الطالب الكردي حين تتحوّل لغته إلى مجرّد مادة دراسية هو أولاً شعوره الدائم بأنه مواطن من الدرجة الثانية، متسائلاً: “لماذا تُعتبر لغة العرب كاملة الحقوق بينما تبقى لغات بقية مكونات سوريا منقوصة؟”. ومن زاوية نقدية أوسع، يرى شيخو أن إعادة تعريف الكرد بوصفهم “مكوّناً” بدل شعب أساسي في اتفاقية العاشر من آذار كانت بداية تحجيم حقوقهم، معتبراً أن المساواة الحقيقية تقتضي اعتماد لغات جميع مكوّنات سوريا لغاتٍ رسمية وتعليمية أساسية، لا الاكتفاء بحصص اختيارية أشبه بما يُقدَّم للاجئين في أوروبا. ويشدّد شيخو على أن توحيد المناهج وبناء نظام تعليمي وطني موحَّد أمرٌ ممكن عبر مؤسسة تربوية واحدة تعتمد مناهج متعدّدة اللغات، لا عبر فرض لغة واحدة، معتبراً القرار الحالي استمراراً لنهج البعث والوصاية الإقليمية أكثر منه حلاً تربوياً حقيقياً. جامعة روج آفا: نموذج أكاديمي مقارن في السياق الأكاديمي، تقدّم تجربة جامعة روج آفا في القامشلي، بحسب الإداري فيها آرام حسن، نموذجاً مغايراً، إذ تأسّست الجامعة عام 2016 بخمس كليّات ونحو 500 طالب، لتضمّ اليوم في عامها العاشر أكثر من 6500 طالب وطالبة وعشرات الكليّات والمعاهد، مع اعتماد الكردية إلى جانب العربية والإنكليزية لغاتِ تدريس رسمية ضمن مناهج تسعى إلى التوازن بين المعايير الأكاديمية العالمية وصون الهوية الثقافية المحلية. وقد تخرّجت من الجامعة حتى الآن ست دفعات، بلغ إجمالي خريجيها نحو 1750 خريجاً وخريجة، فيما تنتظر الجامعة استكمال مسار الاندماج والاعتراف الرسمي بشهاداتها من قبل الدولة السورية. ويصف حسن قرار تقليص حصص الكردية بأنه “تراجع عن استحقاق لغوي وثقافي أساسي” يتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، داعياً إلى دعم هذه التجربة بدلاً من تقليصها. وفي نهاية المطاف، يبدو أن الطالب، الطرف الأكثر تأثراً بهذا الجدل المستمر منذ سنوات، إذ يجد نفسه في كل مرحلة أمام تحوّل جديد في لغةِ تعليمه ومناهجه، من دون أن يُحسم بعد الملفُّ الأشمل المرتبط بمستقبل الهوية التعليمية في شمال شرق سوريا. The post هوية التعليم في شمال شرق سوريا appeared first on Syria Direct.
#سوريا#اقتصاد