
سياسةعاجل11/9/2026، 7:52:55 ص1
كليّة العلوم السياسيّة في جامعة دمشق تواجه ماضيها البعثي
كليّة العلوم السياسيّة بجامعة دمشق تواجه ماضيها البعثي أساتذة وطلاب يخوضون تجربة تفكيك البعث، والانقسامات السياسيّة، والحدود الغامضة للحريّة الأكاديميّة في سوريا ما بعد الأسد. بقلم: ناتاشا دانون في يوم حار من آب/ أغسطس، تردّد صدى الزغاريد في أروقة كليّة العلوم السياسيّة في جامعة
كليّة العلوم السياسيّة بجامعة دمشق تواجه ماضيها البعثي أساتذة وطلاب يخوضون تجربة تفكيك البعث، والانقسامات السياسيّة، والحدود الغامضة للحريّة الأكاديميّة في سوريا ما بعد الأسد. بقلم: ناتاشا دانون في يوم حار من آب/ أغسطس، تردّد صدى الزغاريد في أروقة كليّة العلوم السياسيّة في جامعة دمشق الباردة. كان يوم التخرج، حيث تجمّع الطلاب بأروابهم السوداء مع عائلاتهم وأصدقائهم للاحتفال بهذه المناسبة. أضفت بهجتهم تناقضاً صارخاً مع المزاج الكئيب الذي خيّم على الجامعة إبان الحرب، حين كان الطلاب يُعتقلون ويُغيّبون قسراً. تاريخياً، كانت الكليّة تُعرف باسم “معهد التدريب الحزبي”، في إشارة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ترأّسه حافظ الأسد. في ذلك الوقت، كان يُشترط على الطلاب أداء قسم الولاء للحزب لقبولهم، وكانت الكليّة بمثابة شريان لتزويد المدارس الإعداديّة والثانويّة بمعلمي مادة “التربية الوطنيّة” القائمة على الأيديولوجيا البعثيّة. وفي عام 2003، وتحت حكم بشار الأسد الذي أجرى إصلاحات محدودة، تغيّر اسم المعهد إلى “كليّة العلوم السياسيّة” وأُلحق بجامعة دمشق، ممّا خفّف من ارتباطه المباشر بالحزب. عقب سقوط بشار الأسد عام 2024، واجهت كليّة العلوم السياسيّة خطر الحل. غير أنه في عام 2025، تمّ تعيين قيادة جديدة بهدف تحويلها إلى مؤسّسة كفؤ لإعداد الجيل القادم من القادة السوريين، بعيداً عن الفكر البعثي. واليوم، تحتدم التوتّرات بين الأساتذة الذين عُيّنوا في عهد الأسد وجيل جديد متمرّس في مبادئ الثورة. ومع تسلُّم الحكومة الجديدة لمهامها، برز سؤال جوهري: كيف تخضع المنظومة التعليميّة لعملية “تفكيك البعث” وتضمن الحريّة الأكاديميّة في الوقت ذاته؟ الثورة والحرب عندما اندلعت الثورة السوريّة عام 2011، كانت كليّة العلوم السياسيّة مواكبة بشكل خاصّ للاضطرابات التي شهدتها البلاد، حيث تحوّلت الجامعة إلى ميدان صراع سياسي عكس خطوط التماس في النزاع السوري. وفي حديثها لموقع “سوريا على طول”، قالت نائبة العميد، الدكتورة آلاء سردار: “انقسم الطلاب بحدّة إلى معسكرين: الموالون المُطلَقون للرئيس وللحزب، وفئة ثانية فضّلت الصمت في بداية الأمر”. وكانت سردار طالبة في الكليّة حينها، قبل أن تنتقل إلى روسيا عام 2015 لنيل درجة الدكتوراه. وأضافت سردار: “بعد القمع العنيف الذي طال الاحتجاجات السلميّة في درعا من قبل النظام في آذار/ مارس 2011، نشأت حالة من التوتر المحموم بين الطرفين. وفي أحد الأيام، جاء طالب من آل الأسد إلى الجامعة يحمل سلاحاً نارياً، وأطلق النار داخل الكافتيريا لإرهاب المعسكر المعارِض”. عقب تلك الحادثة، بدأ بعض الطلاب بنشر منشورات سريّة داخل الجامعة تطالب بإصلاحات سياسيّة. وتُوضِح سردار: “كانوا يطالبون بإصلاح النظام، ولم يكونوا يطالبون بإسقاطه بعد”. وبحلول عام 2012، ومع التحول التدريجي للنزاع نحو العنف، اندلعت الاحتجاجات داخل الجامعة. وتستذكر سردار: “بدأ الطلاب يتحدثون علناً عن بشار الأسد، بعد أن كانوا يتهامسون خوفاً وتوجساً، وصاروا يطالبون بشكل صريح وواضح بإسقاط النظام”. عقب أنباء عن اختطاف أو مقتل أستاذ من الطائفة العلويّة، انتقلت الكليّة من منطقة التل بريف دمشق إلى وسط العاصمة في عام 2013. وتضيف سردار: “منذ ذلك الحين، بدأ اتحاد الطلبة -وهو فرع حزب البعث في الجامعة- يعمل كفرع أمني، يكتب التقارير الأمنيّة بحقّ الطلاب”. وتُتابع: “على إثر ذلك، تعرّض العديد من الطلاب للفصل أو الاعتقال بسبب دعمهم للثورة، وقضى بعضهم تحت التعذيب في المعتقلات”. تفكيك البعث تقول ماسة المفتي حموي، المتخصصة في الشأن التعليمي السوري: “في ظلّ النظام السابق كانت حريّة التعبير معدومة تماماً، وكان لذلك تداعيات عميقة على الجامعات والحياة الأكاديميّة بوجهٍ عام، حيث حُرِمت جميع الأقسام والكليات من الاستقلاليّة والحريّة الأكاديميّة وحريّة الفكر”. لكن في العام الماضي عقد وزير التعليم العالي مراد الحلبي مؤتمراً دولياً سعى من خلاله لقطع الصلة تماماً مع الماضي، حيث “شدّد صراحة على الحريّة والاستقلاليّة الأكاديميّة كمبادئ أساسيّة يجب أن تقوم عليها الجامعات السوريّة مستقبلاً”. وعُيّن عمداء جُدد لمُعظم كليات جامعة دمشق. وفي أيلول/ سبتمبر 2025، عُيّن الدكتور نجيب غضبان عميداً لكليّة العلوم السياسيّة، بعد أن ترك عمله كأستاذ مشارك في الولايات المتحدة للعودة إلى سورية وتولي هذه المهمة. وقال غضبان: “سرعان ما اتضح أن التغيير يجب أن يشمل الهيئة التدريسيّة، والمناهج، والجو العام، مع المهمة الأساسيّة المتمثّلة بإعادة تعريف دور الكليّة وعلاقتها بالمجتمع والدولة”. وعقب سقوط نظام الأسد، درست الجامعة خيار حل الكليّة. ويؤكد غضبان: “الأساتذة المرتبطون بحزب البعث والأجهزة الأمنيّة غادروا تلقائياً بعد التحرير، وتقرَّر في النهاية الاستمرار في تشغيل الكليّة”. مع ذلك، فإن بقاء العديد من أساتذة حقبة البعث يمثل “التحدي الأكبر”، بحسب غضبان، إذ كان القبول والتوظيف في عهد الأسد يُمنحان بتفضيل للطلاب والأساتذة من الأقليّة العلويّة الحاكمة آنذاك. وأوضح غضبان أنّ التحقيقات جارية حالياً مع أساتذة تقلّدوا مناصب قياديّة أثناء فترة فصل الطلاب واعتقالهم. اليوم، بات بمقدور الطلاب الذين فُصلوا إبان الثورة استئناف دراستهم، كما أُتيحت الفرصة لطلاب الجامعات في شمال غربي سوريا (المناطق التي كانت الخاضعة لسيطرة المعارضة) للتسجيل. وعن ذلك قال العميد: “في بعض الأحيان يأتيك طلاب من تلك المناطق بروح مفادها: ‘نحن أبناء الثورة، نحن من ضحّينا وسُفكت دمائنا’، وقد يؤثر ذلك على نشوء نوع من التوتّر مع الأساتذة. نحاول تحقيق التوازن لتأمين استمراريّة العمليّة التعليميّة وفق الموارد المتاحة، بالتوازي مع المضي في مسار التصحيح”. وبموجب القانون السوري، يُعدّ الأساتذة في الجامعات الحكوميّة موظفين عموميين ولا يمكن فصلهم تعسفياً. ولا تقتصر التوتّرات على العلاقة بين الأساتذة والطلاب، بل تمتدّ لتشمل الطلاب أنفسهم. يقول باسم نعمان (40 عاماً)، الذي درس في جامعة دمشق قبل الحرب واستأنف دراسته في عام 2024 ويكتب أطروحته حالياً: “التحدي الأساسي بالنسبة لنا كطلاب في مرحلة ما بعد الثورة هو كيفية التعامل مع بعضنا البعض كسوريين، فنحن انعكاس لمجتمع يعاني من تفكك بنيوي عميق”. ويضيف نعمان: “نحن بحاجة للتعامل كمواطنين، وتعزيز مفهوم المواطنة، وإدانة الجرائم بغض النظر عن مرتكبها، الجريمة تبقى جريمة”. إلى جانب ذلك، هناك حاجة ماسّة لتحديث المناهج الدراسيّة -التي كانت مشبعة بالفكر البعثي- لتلائم المعايير الدوليّة. ويقول غضبان: “أجرينا دراسة مقارنة مع بعض الجامعات داخل المنطقة وخارجها، وأعتقد أن المناهج الجديدة ستصبح قريبة جداً من كليات العلوم السياسية في الخارج”. وإحدى وسائل تحقيق ذلك هي الشراكة مع الجامعات الأجنبيّة، حيث ترتبط الكليّة حالياً باتفاقيّة مع “معهد جنيف للدراسات العليا” لتقديم برنامج تنفيذي حول الحوكمة والتعافي والمرونة، يستهدف الموظفين الحاليين في المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمحلية. وأشار غضبان إلى وجود محادثات جارية لعقد شراكات جامعية أخرى، مضيفاً: “نسعى أيضاً للتواصل مع زملائنا السوريين الحاصلين على الدكتوراه في الخارج ليعودوا في إجازات تفرُّغ علمي لتدريس بعض الدورات التدريبية”. وفي النهاية، يرى غضبان أنّ كلية العلوم السياسيّة يمكن أن تلعب دوراً جوهرياً كـ “مساحة للحرية والنقاش المفتوح في سورية الجديدة”. رغم ذلك، لا تزال حدود الحرية الأكاديمية غير واضحة المعالم. فقد كشف أحد أعضاء الهيئة التدريسيّة لموقع “سوريا على طول” أن ثمّة تثبيطاً له من قِبَل بعض زملائه عند مناقشة الأحداث التي تلت كانون الأول/ ديسمبر 2024 فيما يتعلق بأحداث الساحل والسويداء. وقال الأستاذ: “قيل لي أن أتجنّب الصداع الناجم عن إثارة هذه المواضيع، ولكن إن لم نناقشها الآن، فمتى؟”. من جهته، يضيف الطالب باسم نعمان: “حتى الآن، نُمارس الرقابة الذاتيّة على أنفسنا قبل أن نتحدّث أو نكتب، لأنّنا لم نعتد بعد على هذا الواقع الجديد، ولا نعرف حدوده بدقّة. ونتيجة لذلك، نفضّل تركيز أبحاثنا حول موضوعات أقل جدلاً ومقبولة عموماً”. وتختتم المفتي حموي بالقول: “الخطاب الرسمي مشجّع بالتأكيد ويعكس التزاماً بالحريّة والاستقلاليّة الأكاديميّة وحريّة الفكر، إلا أنه من المبكر الحكم على مدى قدرة هذه المبادئ على إعادة تشكيل الجامعات والكليّات فعلياً، بما فيها كليّة العلوم السياسيّة”. The post كليّة العلوم السياسيّة في جامعة دمشق تواجه ماضيها البعثي appeared first on Syria Direct.
#سوريا
