نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
رياضة17‏/9‏/2026، 11:29:47 ص2

صدى تدمر في بينالي البندقية.. رحلة فنية متعددة الحواس تحيي التاريخ السوري

دمشق-سانا من تدمر التي تختزن حجارتها طبقات من الحضارات وذاكرة أجيال متعاقبة، إلى مدينة البندقية الإيطالية التي شكّلت عبر تاريخها جسراً بين ضفتي المتوسط، حمل الجناح الوطني السوري مشروع مدفن تدمر البرجي للفنانة سارة شمة إلى الدورة الـ 61 من معرض بينالي البندقية للفنون، في عودة تسعى

دمشق-سانا من تدمر التي تختزن حجارتها طبقات من الحضارات وذاكرة أجيال متعاقبة، إلى مدينة البندقية الإيطالية التي شكّلت عبر تاريخها جسراً بين ضفتي المتوسط، حمل الجناح الوطني السوري مشروع مدفن تدمر البرجي للفنانة سارة شمة إلى الدورة الـ 61 من معرض بينالي البندقية للفنون، في عودة تسعى إلى تقديم سوريا شريكاً في إنتاج الفن والمعرفة. ويستعيد المشروع هيئة الأبراج الجنائزية التدمرية ضمن تركيب بالحجم الكامل يجمع الرسم والعمارة والصوت والضوء والرائحة، وتحيط بالزائر داخله لوحات ضخمة مستلهمة من الوجوه التدمرية، بينما تنتمي الشخصيات المرسومة إلى الحاضر وتتجه بنظراتها نحو المتلقي، في لقاء بين الذاكرة القديمة والتجربة الإنسانية الراهنة. ويُعرض المشروع في باحة جامعة إياف (IUAV) في البندقية منذ 9 أيار الماضي ولغاية الـ22 من تشرين الثاني المقبل، ويتولى الفنان التشكيلي ومدير إدارة الفنون الجميلة في وزارة الثقافة وسيم عبد الحميد مهمة مفوض الجناح، فيما تشرف القيّمة الفنية اليابانية يوكو هاسيغاوا على المشروع. الدبلوماسية الثقافية وصناعة الأثر أكد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، في تصريح لـ«سانا»، أن الدبلوماسية الثقافية التي تنتهجها الوزارة تسير بالتنسيق والتوازي مع إنجازات الخارجية السورية، مشيراً إلى أن المشاركة في معرض بينالي البندقية تأتي ضمن رؤية تستهدف استعادة موقع سوريا في محافل الفن العالمي والانتقال من مرحلة إعادة البناء والترميم إلى صناعة الأثر. وقال الوزير الصالح: «سوريا ملتقى ومعبر للحضارات الكبرى، تجاورت فيها الثقافات وتفاعلت، وكانت عبر آلاف السنين فضاءً غنياً بالتنوع وقادراً على الإبداع والتجدد، وبمشاركتنا في بينالي البندقية أردنا أن نحمل إلى العالم هذا الإرث الحي، ومعه فن معاصر وأجيال جديدة قادرة على تحويل الذاكرة إلى إبداع والتاريخ إلى طاقة للمستقبل». وأضاف: نريد لتراثنا أن يبقى قوة مولدة للمعنى، ولآثارنا أن تستعيد مكانها وذاكرتها، ولفنانينا أن يكونوا شركاء في صياغة الأسئلة الجمالية والإنسانية الكبرى في عصرهم. وأشار الوزير الصالح إلى أن الطريق الممتد من تدمر إلى البندقية يعيد وصل مسارات الحضارات والفنون بين ضفتي المتوسط، ويفتح آفاقاً لشراكات جديدة في الفن والتراث والمعرفة، مؤكداً أن سوريا، مع استعادتها عافيتها الثقافية، تحمي ذاكرتها وتسترد ما تعرض للطمس من إرثها خلال العهد البائد، وتتيح لمبدعيها تجديد حضورهم العالمي. تدمر والذاكرة السورية بدوره أوضح عبد الحميد أن الوزارة تعاملت مع المشاركة بوصفها أكثر من حضور رمزي، ورأت فيها فرصة لإعادة تقديم الفن السوري إلى المشهد الدولي عبر مشروع يمتلك رؤية واضحة، مشيراً إلى أن دوره شمل بناء الإطار المؤسسي للمشاركة والتنسيق بين الوزارة والفنانة سارة شمة والقيّمة الفنية يوكو هاسيغاوا والشركاء الإيطاليين، ومتابعة مراحل التحضير والتنفيذ والتجهيز. وقال: «أردنا أن تكون عودة سوريا إلى البندقية عبر الفن نفسه، وأن يصبح الحضور السوري جزءاً حقيقياً من الحوار الثقافي والفني الدولي». وبيّن أن التصور المؤسسي انطلق من سؤال حول ما تريد سوريا قوله من خلال الفن، ومنه جاء اختيار مشروع واحد وصوت فني واحد ضمن رؤية متكاملة، ولم يكن اختيار تدمر بهدف عرض التراث في صورة جامدة أو استعادة الحنين إلى الماضي، بل لقراءة الذاكرة السورية من خلال مدينة تختزن آثار حضارات متعاقبة وتشهد على ما تعرض له الإرث السوري من فقد وتدمير. وأضاف أن المشروع يطرح أسئلة معاصرة حول الذاكرة ودور الفن في استعادتها من دون تحويلها إلى صورة عابرة أو مادة للاستهلاك، موضحاً أن اختيار فنانة واحدة جاء لتحقيق وحدة فكرية وبصرية وحسية تمنح المتلقي تجربة متكاملة، من دون أن ينتقص ذلك من تنوع التجربة السورية وغناها. وتشير الصفحة الرسمية لمعرض بينالي البندقية إلى أن أبراج تدمر الجنائزية شُيدت بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، وكانت تقرّب ذاكرة الموتى من حياة الأحياء، قبل أن تتعرض للتدمير والنهب، وتتفرق منحوتات جنائزية كثيرة خارج سوريا، ليعيد المشروع تقديم هذا الشكل المعماري داخل فضاء معاصر للحوار واللقاء. تجربة تفاعلية وتحديات مركبة عن التحديات التي رافقت التنفيذ، أوضح عبد الحميد أن المشروع ليس معرضاً تقليدياً، بل تجربة تفاعلية تجمع الرسم والعمارة والصوت والضوء والرائحة، وتتطلب تنسيقاً فنياً وتقنياً ولوجستياً دقيقاً، ولا سيما فيما يتعلق بالفضاء والتجهيزات والنقل والتركيب والاشتراطات الخاصة بالموقع. وأشار إلى أن العمل جرى بالتنسيق مع إدارة معرض بينالي وجامعة إياف والشركاء والفريق الفني، لتحويل التصور إلى تجربة متكاملة، مبيناً أن المشاركة أسهمت أيضاً في منح الفريق خبرة مهمة في إدارة وإنتاج مشروع فني دولي بهذا الحجم، بما يدعم بناء مؤسسات ومشاريع سورية قادرة على الاستمرار والتطور. وحول صدى الجناح، قال عبد الحميد: إن المشروع استقطب زواراً وفنانين ونقاداً وقيّمين وأكاديميين وطلاباً وإعلاميين من جنسيات وخلفيات مختلفة، وأدخلهم إلى أسئلة الذاكرة وتدمر والتراث السوري من خلال التجربة الفنية. وأوضح أن حضور تدمر بوصفها مرجعاً تاريخياً وثقافياً، إلى جانب العناصر الحسية والقيمة الفنية لأعمال سارة شمة، دفع الزوار إلى التوقف والتأمل وطرح الأسئلة بدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة السريعة. ورغم عدم إعلان أرقام تفصيلية موثقة عن الزوار، أكد أن نجاح المشاركة لا يُختزل في العدد، بل في نوعية الحوار الذي فتحه المشروع حول سوريا وذاكرتها وموقع فنها المعاصر في المشهد الدولي. وحظي الجناح باهتمام صحفي عربي ودولي، إذ ركزت مجلة إيه دي ميدل إيست على أبراج تدمر والذاكرة والتراث المنهوب وعناصر التجربة متعددة الحواس، فيما تناولت صحيفة ديلي صباح التركية المشاركة من زاوية استعادة سوريا سرديتها عبر الفن والدبلوماسية الثقافية، وتوقفت صحيفة الغارديان البريطانية عند حضور الرائحة ومشاركة صناع عطور سوريين في بناء هذا العنصر الحسي. ما بعد البندقية أكد عبد الحميد أن وزارة الثقافة لا تريد للمشاركة أن تنتهي مع إغلاق الجناح، موضحاً أن الطموح يتجه نحو تحويل التجربة إلى بداية لمسار طويل من الشراكات الدولية ودعم الفنان السوري وتبادل الخبرات وفتح قنوات جديدة مع المتاحف والجامعات والبيناليات والمراكز الفنية. وكشف عن العمل لإطلاق مشروع البينالي السوري للفن المعاصر، بوصفه منصة وطنية دورية يتولى الفنان خالد بركة التخطيط والإعداد لها مديراً مؤسساً وقيّماً مكلفاً، بالشراكة مع وزارة الثقافة، بهدف تأسيس نموذج مؤسسي قابل للاستمرار. ورأى عبد الحميد أن الفن قادر على الإسهام في حماية التراث السوري وإعادة طرح قضيته دولياً، بما يفتح المجال أمام تعاون أوسع في التوثيق والحماية ومواجهة الاتجار غير المشروع بالآثار والعمل على استعادتها. وختم بالقول: «المشاركة في البندقية محاولة لفتح أفق جديد للفن السوري، يستند إلى ذاكرته وينفتح على العالم ويشارك في صياغة المستقبل، ونريد لسوريا أن تستعيد حضورها الثقافي شريكاً في إنتاج المعرفة والفن، لا مجرد موضوع يُروى عنه». ويُعد معرض بينالي البندقية، الذي انطلق عام 1895، أحد أبرز المحافل الدولية للفن المعاصر، ويجمع كل عامين فنانين ونقاداً وقيّمين ومؤسسات ثقافية من مختلف أنحاء العالم.
#سوريا#رياضة