نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
رياضة18‏/9‏/2026، 10:10:37 ص1

تفسير القرطبي.. أكثر من سبعة قرون من التفسير والفقه واللغة

دمشق-سانا من قرطبة التي غادرها بعد سقوطها واضطراب أحوال الأندلس، إلى صعيد مصر حيث استقر وواصل رحلته العلمية، حمل الإمام القرطبي معه مشروعاً يصل تفسير النص القرآني بأحكام الحياة، ويجمع الفقه والحديث واللغة والقراءات في مؤلف موسوعي واحد. وفي “الجامع لأحكام القرآن”، الذي طُبع لاحقاً

دمشق-سانا من قرطبة التي غادرها بعد سقوطها واضطراب أحوال الأندلس، إلى صعيد مصر حيث استقر وواصل رحلته العلمية، حمل الإمام القرطبي معه مشروعاً يصل تفسير النص القرآني بأحكام الحياة، ويجمع الفقه والحديث واللغة والقراءات في مؤلف موسوعي واحد. وفي “الجامع لأحكام القرآن”، الذي طُبع لاحقاً في عشرين جزءاً، أعرض عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين، وجعل غايته نسبة الأقوال إلى أصحابها والأحاديث إلى مصنفيها، وكتبه، كما قال في مقدمته: “تذكرة لنفسي وذخيرة ليوم رمسي وعملاً صالحاً بعد موتي”، فكيف حافظ هذا الكتاب على حضوره العلمي، وبقي مرجعاً حياً بعد أكثر من سبعة قرون؟. من قرطبة إلى صعيد مصر هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي، ولا تحدد كتب التراجم سنة ولادته، مرجحةً أنه ولد في قرطبة مطلع القرن السابع الهجري، ونشأ فيها متلقياً علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والقراءات. وغادر القرطبي مدينته بعد سقوطها بيد مملكة قشتالة سنة 633هـ، وتنقل بين إشبيلية والإسكندرية والقاهرة، قبل أن يستقر في منية بني الخصيب بصعيد مصر، حيث واصل التدريس والتأليف حتى وفاته سنة 671هـ/1273م. وترك القرطبي عدداً من المؤلفات، أبرزها الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، والتذكار في أفضل الأذكار، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، غير أن تفسيره ظل أكثر آثاره انتشاراً وحضوراً في المكتبة العربية والإسلامية. منهج يجمع علوم النص القرآني فسّر القرطبي القرآن وفق ترتيب المصحف، وقسّم مباحث الآيات إلى مسائل تناول فيها أسباب النزول والقراءات والناسخ والمنسوخ ووجوه الإعراب وغريب الألفاظ وتخريج الأحاديث وأقوال الفقهاء والسلف، مستعيناً بالشعر العربي لتوضيح المعاني اللغوية والدلالات المختلفة. ولم يحصر مؤلفه في آيات الأحكام، رغم حضورها الواسع، إذ تناول سور القرآن وآياته كاملة، وجمع بين التفسير بالمأثور والتحليل اللغوي والاستنباط الفقهي، مع عرض الأقوال ومناقشتها والترجيح بينها. وأوضح القرطبي في مقدمة كتابه أن من شروطه إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها، حتى يستطيع القارئ التمييز بين الصحيح والسقيم، كما اختار تقليل القصص والأخبار التي لا تخدم فهم النص، وتوسيع البحث في الأحكام والمعاني المتصلة بالآيات. ومنح هذا المنهج الكتاب طابعاً موسوعياً، إذ تتحول الآية الواحدة فيه إلى مدخل لدراسة اللغة والحديث والقراءات والفقه وأصول الاستدلال، مع بيان ما تحتمله من معانٍ وأحكام. الفقه وعلوم القرآن يتيح التنوع في الكتاب للقارئ التعرف إلى اختلاف الاجتهادات الفقهية في المسألة الواحدة، والأدلة التي استند إليها أصحابها، ما جعل الكتاب مصدراً مهماً للباحثين في آيات الأحكام والفقه المقارن. كما أولى القراءات القرآنية عناية واضحة، مبيناً أثر اختلافها في المعنى والاستنباط، وتوقف عند دلالات الألفاظ ووجوه الإعراب والاشتقاق، مستشهداً بالنصوص والشواهد الشعرية، ولذلك تجاوزت فائدة الكتاب دارسي التفسير والفقه إلى الباحثين في علوم القرآن واللغة العربية والقراءات. وناقش القرطبي أيضاً آراء عدد من الفرق والاتجاهات الكلامية والفكرية، وعرض موقفه منها ضمن السياق التفسيري، الأمر الذي جعل كتابه مرآة لعدد من القضايا العلمية والفكرية التي شغلت عصره. مرجع علمي تتجدد حوله الدراسات للحديث عن أهمية الكتابK قال الدكتور محمد كالو أستاذ علم التفسير وعلوم القرآن في جامعة أديامان التركية في تصريح لـ سانا: إن الجامع لأحكام القرآن يمثل موسوعة شاملة لعلوم القرآن، ويتميز بقدرته على الجمع بين تفسير الآيات واستنباط الأحكام ودراسة اللغة والقراءات والحديث، مع تركيز خاص على المسائل الفقهية. وأوضح كالو أن القرطبي حرص على إسناد الأقوال إلى أصحابها والأحاديث إلى مصنفيها، وناقش مذاهب الفقهاء وأدلتهم، ما منح الكتاب قيمة خاصة لدى طلاب العلم والباحثين في التفسير والفقه. واستمر حضور الكتاب في الدراسات الحديثة، فتناول الباحثون منهجه في تفسير آيات الأحكام، وتوظيفه اللغة والشعر والقراءات، إضافة إلى الظواهر النحوية والدلالية في تفسيره. وتشير الموسوعة العربية إلى دراسة جامعية أعدتها الباحثة سكينة محمود موعد في جامعة دمشق حول الظواهر اللغوية في الجامع لأحكام القرآن، في واحد من مسارات البحث التي ما زال الكتاب يفتحها أمام الدارسين. وتنبع راهنية التفسير من قدرته على تقديم نموذج يجمع علوم النص ضمن بناء واحد، ويعرض تعدد الآراء والاجتهادات، بما يساعد القارئ المعاصر على فهم طبيعة التأليف الموسوعي ومناهج العلماء في التعامل مع النص القرآني. رحلة التفسير عبر طبعاته الحديثة انتقل الجامع لأحكام القرآن من التداول في نسخه المخطوطة إلى الطباعة الحديثة، وتشير البيانات الببليوغرافية لمشروع المجموعات العربية على الإنترنت، الذي تشارك فيه مكتبات جامعة كولومبيا، إلى أن إصدار دار الكتب المصرية في القاهرة بدأ عام 1935، وجاء في عشرين جزءاً. ومن أبرز نسخه المتداولة الطبعة الثانية الصادرة عن دار الكتب المصرية سنة 1384هـ/1964م، بتحقيق أحمد عبد العليم البردوني وإبراهيم أطفيش، في عشرين جزءاً ضمن عشرة مجلدات، كما صدرت طبعة عالم الكتب سنة 1423هـ/2003م، بتحقيق هشام سمير البخاري، إلى جانب طبعات وتحقيقات أخرى أسهمت في توسيع انتشار الكتاب وإتاحته للباحثين والقراء. وبعد أكثر من سبعة قرون على وفاة مؤلفه، ما زال تفسير القرطبي حاضراً في المكتبات والدراسات الجامعية، بما جمعه من تفسير وفقه وحديث ولغة وقراءات، متجاوزاً حدود عصره ومحققاً رغبة القرطبي في أن يبقى علمه ذخيرة وعملاً ينتفع به بعد رحيله.
#سوريا#رياضة