نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
اقتصادعاجل27‏/8‏/2026، 9:31:40 ص0

بيوت خارج المخطط: كيف يسبق عمران درعا الطرق والخدمات العامة؟

باريس – على بعد نحو كيلومترين من حدود المخطط التنظيمي لمدينة جاسم شمالي درعا، جنوب سوريا، بدأ محمد أبو قاسم، مطلع العام الحالي، تشييد منزله الصغير على قطعة أرض زراعية ورثها عن والده، بعدما عجز عن شراء منزل داخل المدينة في ظل ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات داخل المخطط. لكن،

باريس – على بعد نحو كيلومترين من حدود المخطط التنظيمي لمدينة جاسم شمالي درعا، جنوب سوريا، بدأ محمد أبو قاسم، مطلع العام الحالي، تشييد منزله الصغير على قطعة أرض زراعية ورثها عن والده، بعدما عجز عن شراء منزل داخل المدينة في ظل ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات داخل المخطط. لكن، لن تصل شبكات البنى التحتية الأساسية من كهرباء وماء وصرف صحي وطرق إلى منزل أبو قاسم، الذي يخطط للاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية كحل مؤقت لتوفير الكهرباء، وإنشاء حفرة فنية لتجميع مياه الصرف الصحي، فيما ستكون دراجته النارية الوسيلة الوحيدة لنقل الأطفال إلى المدارس وشراء حاجيات المنزل، كما قال لـ”سوريا على طول”. وخلال سنوات الحرب الطويلة، امتدت المنازل إلى خارج المخططات التنظيمية في مدن وبلدات محافظة درعا، وظهرت تجمعات وأحياء جديدة على أراضٍ زراعية أو “مناطق الحماية” المحيطة بالمدن والبلدات، حيث وجد الأهالي في هذه الأراضي بديلاً أقل تكلفة لتوفير السكن. وازدادت هذه الظاهرة منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهو ما نتج عنه نشوء مناطق تفتقر للبنى التحتية والخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي ومدارس ومراكز صحية وغيرها، واضطر سكانها للاعتماد على حلول فردية بدائية لتعويض غياب الخدمات. وقال رئيس بلدية مدينة نوى بريف درعا الغربي، المهندس محمد عمارين، أنه “قبل سقوط النظام كانت حركة البناء بمعدل لا يذكر، لكن منذ سقوطه تشهد المدينة حركة عمرانية كبيرة جداً، وتوسعاً كبيراً في البناء، بسبب أزمة توفر السكن وعودة المغتربين والاستقرار الأمني”. ولم يقتصر هذا التوسع العشوائي على خسارة أجزاء من المساحات الزراعية، بل وضع البلديات أمام واقع عمراني يصعب تنظيمه وتخديمه، في الوقت الذي لاتزال فيه مساحات واسعة من الأراضي التي أدخلت إلى المخططات التنظيمية قبل اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، دون الخدمات الأساسية، وفق ثلاثة مسؤولين حكوميين تحدثت إليهم “سوريا على طول” لغرض إنتاج هذا التقرير. وبين حاجة الأهالي للسكن وعجز البلديات، تتمدد مدن وبلدات حوران على الأراضي الزراعية خارج المخططات التنظيمية مخلفة أحياء ومنازل مخالفة قانونياً، تنذر بعشوائيات سكانية جديدة، وتفرض واقع سكني قد يصعب معالجته، ويضيف المزيد من الأعباء على البلديات وشبكات البنى التحتية المتهالكة. ولا تقتصر هذه الظاهرة على محافظة درعا، إذ شهدت محافظات سورية أخرى توسعاً عمرانياً مماثلاً، ولاسيما في محافظة ريف دمشق ومحيط المدن الكبرى. تظهر مقارنة بين صور أقمار صناعية التقطت في أيار/ مايو 2011 وحزيران/ يونيو 2026، اتساع كتلة المباني السكنية بين مدينتي إنخل وبلدة سملين بريف درعا الشمالي على أراضي يغلب عليها الطابع الزراعي. وتوضح المناطق المحددة في الصورتين زيادة كثافة البناء، وجرى تعديل الصورة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. “سكن أرخص” في محيط منزل أبو قاسم، بدأت منازل متفرقة بالظهور، لكنها لم تتحول بعد إلى “حي كامل”، إذ بين منزل وآخر، تمتد أراض زراعية وطرقات ترابية لا تصلها شبكات الخدمات العامة، وهو ما يضع أصحاب المنازل الجديدة أمام كلف إضافية. وقال أبو قاسم: “منازل كثيرة تبنى في محيطي، لكن المنطقة لم تتحول بعد إلى حي كامل”، مضيفاً “خارج المدينة تحصل على سكن أرخص، إلا أن الخدمات غير متوفرة والطرق ترابية”. ويدرك أبو قاسم بأن معيشتهم “ستكون أصعب حتى يتم تخديم المنطقة من قبل البلدية”، لذلك يخطط كما جيرانه للاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية لتوفير طاقة محدودة من الكهرباء لتشغيل الإنارة وبعض الأجهزة الكهربائية، فـ”إيصال شبكة الكهرباء العامة للمنزل غير ممكن لكونه خارج المخطط، وكذلك الأمر بالنسبة لمياه الشرب والصرف الصحي”. إذ أن البلدية “غير معنية قانونياً بتقديم الخدمات للأحياء والمنازل خارج المخطط التنظيمي، لذلك يتم تأمين معظم الخدمات في تلك المناطق من قبل مالكي العقارات أنفسهم”، قال رئيس بلدية في ريف درعا الشرقي، طلب من “سوريا على طول” عدم كشف هويته لكونه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام. ولا تتوقف كلفة السكن خارج المخطط التنظيمي عند توفر الخدمات الأساسية، فبعد انتقال العائلة إلى منزلها، سيكون أطفال أبو قاسم بعيدين عن مدارسهم، لذا سيضطر إلى نقلهم يومياً باستخدام دراجته النارية لمسافة لا تقل عن ثلاثة كيلومترات. وفي مدينة إنخل شمالي غربي درعا، لا تقتصر مشكلة توفر الخدمات على المنازل المبينة خارج المخطط التنظيمي، فعلى الرغم من أن محمد أبو مازن بنى منزله داخل المخطط، إلا أن المنطقة لم تصلها بعد شبكات البنى التحتية بصورة مكتملة. في العام 2010 تم توسيع المخطط التنظيمي لمدينة إنخل، وهي المرة الأخيرة، وأُدخلت، آنذاك، مساحات جديدة من الأراضي المحيطة بالمدينة إلى المخطط، بما فيها أرض أبو مازن، التي يبني عليها اليوم منزله. لكن مع اندلاع شرارة الثورة السورية وسنوات الحرب التي تلتها، بقيت غالبية مناطق التوسعة الجديدة دون خدمات الشبكات العامة ودون فتح طرق، كما قال مصدر مسؤول في بلدية مدينة إنخل، طلب من “سوريا على طول” عدم كشف هويته لكونه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام. وقال أبو مازن: “خلال سنوات الحرب بقيت الشبكات العامة دون تحديث أو استكمال، وبعد التحرير رممت البلدية جزء منها وأصلحت بعض الطرق”، مضيفاً “لم تبدأ البلدية بعد العمل بشكل حقيقي في مناطق التوسعة الجديدة للمخطط، نتيجة ضعف الإمكانيات وقلة الموارد”. وبنى أبو مازن منزله دون رخصة بناء، بسبب عدم قدرته على دفع كلفتها للبلدية، إلا أن “البلدية تراعي ظروفنا المعيشية وحاجتنا للسكن، ولم توقف أعمال البناء، طالما أن البناء لا يتعدى على طريق أو ملك عام”، قال أبو مازن. مضيفاً “اتصلت بي البلدية مرتين عندما بدأت البناء وأخبروني عن ضرورة الحصول على رخصة، لكن عندما شرحت ظروفي المالية لهم، غضوا الطرف”. في المقابل، تدخلت البلدية بحسب أبو مازن عندما باشر أحد أصدقائه بناء قواعد منزل على حدود طريق رئيسية، و “أنذرته بضرورة تعديل البناء والابتعاد عن مسار الطريق، وإلا فإنها سوف تهدم النباء”، بحسب أبو مازن. وقال محمد أبو المجد، أحد أبناء مدينة إنخل، “ظهرت أحياء جديدة غير مخدمة في محيط إنخل، ويعتمد سكانها على أنفسهم في إيصال المياه والكهرباء وتعبيد الطرق، عبر جمع الأموال وتوزيع النفقات فيما بينهم”. مضيفاً في حديثه لـ”سوريا على طول” “الأطفال في هذه الأحياء البعيدة عن المدارس يقطعون مسافة ثلاثة كيلومترات سيراً على الأقدام أو عبر الباصات العامة للوصول إلى المدارس”. أحياء خارج المخطط التنظيمي على الطريقين القديم والجديد الواصلين بين مدينة إنخل وبلدة سملين، امتدت المنازل تدريجياً خارج المخطط على جانبي الطريق خلال السنوات الماضية، واقتربت الكتلة العمرانية من سملين، فيما توسع كذلك البناء في جهات أخرى إلى مسافات تصل ثلاثة أو أربعة كيلومترات خارج حدود المدينة. وقال أبو المجد: “من الشمال التصقت إنخل بسملين، ومن الغرب اقتربت كثيراً من مدينة جاسم، توسعت المدينة بشكل واضح في الجهات الأربعة خلال السنوات الأخيرة”. لم يحدث هذا التوسع العمراني دفعة واحدة، إذ بدأ بمنازل متفرقة على أراضٍ زراعية في محيط المدينة خلال سنوات الثورة، قبل أن تتقارب الأبنية وتظهر تجمعات شبه متصلة على الأراضي الزراعية أقرب إلى أن تكون أحياء جديدة، لكنها بقيت دون تخطيط عمراني وخدمات. وأكد المسؤول من بلدية إنخل، أن “عمليات البناء خارج المخطط التنظيمي وصلت على بعد ثلاثة كيلومترات من حدود المخطط التنظيمي في بعض الأماكن”. مضيفاً “طريقا سملين القديم والجديد امتد البناء على جانبيهما من إنخل وصولاً إلى سملين”. لكن رغم هذا التمدد الكبير على الأرض، بقيت المخططات التنظيمية عند الحدود التي رسمتها التوسعة الأخيرة قبل 16 عاماً. وقال المصدر ذاته أن “المخطط التنظيمي الحالي لم يتم تحديثه منذ 16 عاماً”، ومع ذلك فإن “قرابة 70 بالمئة من هذه التوسعة ما تزال غير مخدمة، إذ لم يتم فتح طرقات فيها أو تجهيز شبكات الخدمات العامة”. ومع عجز البلدية عن تخديم المناطق التي أُدخلت إلى المخطط قبل 16 عاماً، يصبح توسيع المخطط مرة أخرى أكثر صعوبة، رغم أن الكتل العمرانية تجاوزت حدود التوسعة الأخيرة. وقال المسؤول من بلدية إنخل: “لا نستطيع توسعة المخطط التنظيمي، فنحن لدينا أماكن لم تخدم وتنتظر منذ 16 عاماً، وفي الوقت الراهن ليس لدينا القدرة على تخديمها”، إضافة إلى أن “التوسعة تتطلب من البلدية استملاك طرق وأراضي جديدة وتعبيدها وتجهيزها، وهو ما يشكل عبء إضافي على البلديات، ناهيك عن أنها لا تملك القدرة الآن”. وعلى الرغم من أن أسعار الأراضي والعقارات تضاعفت في درعا منذ سقوط النظام البائد، بما فيها تلك المحيطة بالمدن والبلدات، تستمر عمليات البناء داخل وخارج المخطط. فبحسب المصدر من بلدية إنخل: “غلاء الأسعار داخل المخطط هو أكبر دافع للناس للهرب خارج المدينة والبناء على الأراضي الزراعية”. ويختلف حجم البناء على الأراضي الزراعية بين مدينة وأخرى، ففي مدينة نوى، إحدى أكبر مدن درعا، قدّر رئيس بلديتها محمد عمارين عدد الأبنية السكنية التي شيدت على أراض زراعية منذ سقوط النظام بأكثر من 200 بناء. وقال رئيس البلدية من ريف درعا الشرقي، أن “عدم توسيع المخطط التنظيمي للبلدة منذ ما يقارب 20 عام يعد عاملاً رئيساً وراء ازدياد البناء المخالف خلال السنوات الأخيرة”. وأضاف: “ترافق عدم التوسع مع ظرف استثنائي فرضته سنوات الحرب الطويلة، وما رافقها من عودة المهجرين والمغتربين، وارتفاع الطلب على السكن، وارتفاع أسعار العقارات والأراضي الواقعة ضمن المخطط التنظيمي”. لا تنتمي الأبنية الواقعة خارج المخطط للوضع القانوني نفسه، فبعضها شُيد في مناطق “الحماية” الملاصقة مباشرة للمدن والبلدات، بينما أُنشئ بعضها الآخر على أراض زراعية بعيدة عن التجمعات السكنية، بحسب رئيس البلدية. موضحاً أن “مناطق الحماية هي الأراضي الواقعة مباشرة خارج حدود المخطط، لكنها تعد امتداد طبيعي للبلدة أو المدينة، وهي المناطق الأكثر تأهيلاً للدخول ضمن المخطط في حال توسيعه مستقبلاً”، لذا فإن “البناء في مناطق الحماية يختلف من حيث الواقع العمراني عن البناء في الأراضي الزراعية البعيدة عن التجمعات السكنية”. وفي البلدة التي يديرها، تتركز غالبية الأبنية المخالفة في مناطق الحماية المحيطة بالمخطط، ويقدر عددها بنحو 100 منزل، بينما بقي البناء على الأراضي الزراعية البعيدة محدوداً بنحو خمسة منازل، أكد رئيس البلدية. مؤكداً “حتى الآن، لا يشكل البناء المخالف في الأراضي الزراعية خطراً كبيراً على الرقعة الزراعية في محيط البلدة بسبب محدودية انتشاره”، إلا أن “استمرار الوضع الحالي دون حلول تنظيمية قد يؤدي مستقبلاً إلى تأثيرات سلبية على هذه الأراضي”. البلديات عاجزة عند الحدود الحالية للمخطط التنظيمي لمدينة إنخل، ينتهي طريق يبلغ عرضه 12 متراً، كان يفترض أن يمتد مستقبلاً مع أي توسعة جديدة للمدينة، لكن المنازل التي أُنشئت خارج المخطط بدأت تغلق مساره المفترض، محولة الطريق إلى معضلة ستواجه البلدية في أي أعمال توسعة قادمة للمخطط، بحسب المصدر المسؤول من بلدية إنخل. ويتطلب إدخال المناطق المبنية حديثاً ضمن مخطط تنظيمي جديد تحديد مسارات الشوارع وشبكات الخدمات وتخصيص مساحات للمدارس والمرافق العامة، إلا أنه “يصعب تنفيذ ذلك في مناطق شيدت فيها المنازل، حيث ستؤثر عمليات البناء العشوائية هذه بشكل كبير على التنظيم العمراني”، قال المصدر ذاته. إضافة إلى ما سبق، فإن “لا يمكن منح البناء خارج التنظيم أي تراخيص بناء، بالتالي قانونياً لا نستطيع منحهم اشتراكات في شبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي”، بحسب المسؤول من بلدية إنخل. وقال رئيس بلدية نوى أن “حركة البناء كبيرة، ولا يمكن السيطرة عليها بسبب عدم وجود كوادر كافية ضمن البلديات من مكتب فني ومهندسين ومراقبين فنيين وشرطة بلدية”، ففي نوى التي يبلغ تعداد سكانها قرابة 120 ألف نسمة، “يوجد شرطي واحد في البلدية، وهو غير كافٍ لضبط مخالفات البناء”، قال عمارين. وأضاف: “لا تستطيع البلدية تقديم خدمات للأحياء التي توسعت خارج حدود المخطط، وهي فعلاً تحتاج للخدمات الأساسية، لكن البلدية غير ملزمة بتقديم الخدمات لهذه الأحياء التي تشكل عبء إضافي، ناهيك عن عدم قدرة البلديات على تلبية احتياجاتهم بسبب ضعف الإمكانيات”. برأي المهندس مظهر شربجي، خبير الحوكمة ورئيس بلدية مدينة داريا سابقاً، أن “المشكلة لا تتعلق فقط بتوفير خدمة آنية للسكان، بل بغياب الأساس الذي يمكن بناء شبكات منظمة عليه، فكيف تستطيع أن تقدم الخدمات للسكن العشوائي، فمن الصعب تحديد خطوط الصرف الصحي والمياه، أو وضع مخطط تنظيمي مثالي ومتطور”. وأضاف شربجي في حديثه لـ”سوريا على طول”، “إنشاء البنية التحتية يحتاج إلى مخططات تنظيمية معتمدة تحدد مواقع الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف ومحطات المعالجة، في وقت تعمل فيه البلديات على معالجة الأعطال وترميم الشبكات القائمة بصورة إسعافية، بدلاً من تنفيذ توسيع خدمي شامل، نتيجة ضعف الإمكانيات”. إذ تدفع صعوبة الحصول على خدمات الشبكات العامة الناس للبحث عن حلول بديلة، منها حفر آبار ارتوازية خاصة لتوفير المياه للمنزل، وهو ما حذر منه شربجي لتأثيره على المياه الجوفية، لاسيما مع تزايد الطلب وتراجع الموارد المائية. وإلى جانب أزمة الخدمات، تخرج عمليات البناء العشوائية مساحات من الأراضي الزراعية من وظيفتها الإنتاجية. كذلك أضرت عمليات التوسع العشوائي بالهوية الزراعية للمناطق السورية، إذ “تحولت الأراضي الزراعية في كثير من المناطق إلى منشآت ومنازل بيتونية”، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الزراعة والبيئة والتخطيط الإقليمي والعمراني، بحسب شربجي. “لو طبقنا القانون سنهدم مدناً” لم توقف بلدية إنخل أعمال بناء منزل أبو مازن لعدم حصوله على رخصة بناء، كما أنها لم تمنعه من وصل منزله بشبكة الكهرباء والصرف الصحي، وهو ما يعكس نمط تعامل البلديات مع المخالفات داخل حدود المخطط التنظيمي. لكن تساهل البلدية هذا لم يشمل التعدي على الطرق والأملاك العامة. وتحاول بلدية إنخل، وفق المسوؤل من البلدية، تركيز إمكانياتها المحدودة على منع الاعتداءات التي يصعب تداركها مستقبلاً، خصوصاً البناء ضمن مسارات الطرق أو التعدي على الأملاك العامة، بدلاً من ملاحقة تراخيص البناء. وأضاف: “تنظم البلدية جولات أسبوعية في المدينة وتركز على الحد من التجاوزات على الطرقات التنظيمية والأملاك العامة”. غير أن قدرة البلدية على ضبط البناء خارج حدود المخطط تبقى محدودة، فـ”القوانين النافذة تمنع البناء في الأراضي الزراعية، والقانون يفرض علينا تشميع البناء بالشمع الأحمر ومن ثم هدمه، وهو ما يعني إزالة تجمعات وأحياء سكنية ظهرت خلال الحرب، وتسكنها عائلات لا تملك سكن بديل، لو طبقنا القانون سنهدم مدناً”. وتخضع مخالفات البناء في الوقت الحالي، بحسب مسؤولين محليين، لأحكام المرسوم رقم 40 لعام 2012، الخاص بمخالفات البناء، والذي ينص على إزالة مخالفات البناء ويشدد العقوبات. إلا أن السلطات المحلية في درعا لم تنفذ عمليات إزالة واسعة، وينتظر المسؤولون تشريعات وسياسات جديدة تعيد تنظيم الملف، وتتكيف مع الواقع الحالي الذي فرضته سنوات الحرب. “الوضع القانوني للأبنية خارج المخطط التنظيمي هي أبنية مخالفة، ويتم إحالة أصحاب هذه الأبنية إلى القضاء، ويتم استدعاؤهم عن طريق القضاء المختص واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق قانون مخالفات البناء رقم 40″، قال المهندس عمارين. وقال رئيس البلدية من ريف درعا الشرقي، “لم ننفذ حتى الآن أي عمليات إزالة للأبنية المخالفة، نظراً للظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها الأهالي والحاجة الملحة للسكن”. فيما تقتصر الإجراءات المتبعة من قبل البلدية في الوقت الراهن على “توجيه التنبيهات والتحذيرات للمخالفين من مغبة الاستمرار البناء المخالف، مع التأكيد على الحل الجذري لهذه المشكلة يبقى مرهوناً بتعديل المرسوم 40 أو الشروع بتوسيع المخطط التنظيمي للبلدة بما يتناسب مع النمو السكاني والاحتياج العمراني”. من وجهة نظر المهندس شربجي، “معالجة الملف تحتاج إلى لجان فنية تدرس واقع كل منطقة، وتفرق بين الأبنية الخطرة إنشائياً والمنازل التي تعيق الطرق والمرافق، والأبنية التي يمكن الإبقاء عليها أو تسوية وضعها ضمن مخططات جديدة”. وأضاف: “الأبنية المبنية على أراضٍ زراعية يحتاج تحديد مصيرها إلى دراسة موقعها وعلاقتها بأي تخطيط مستقبلي عبر صور الأقمار الصناعي والمسح الميداني قبل اتخاذ قرار بإزالتها أو إدخالها ضمن خطط تنظيمية جديدة”. ولا يقتصر التحدي على الكلفة الفنية للتنظيم، إذ “يطرح أي قرار بالإزالة سؤالاً حول مصير العائلات التي أنفقت مدخراتها في بناء منزل، ولا تملك مسكناً آخر”، بحسب شربجي. وبرأي المهندس عمارين، فإن “رسوم تراخيص البناء مرتفعة جداً، لذلك فإن تخفيض رسوم الترخيص قد يحد من مخالفات البناء داخل المخطط ويشجع على ترخيص الأبنية والالتزام بالمخطط التنظيمي”. وبين قانون إزالة المخالفات الذي يصعب تنفيذه اجتماعياً واقتصادياً والتسوية التنظيمية، فإن واقعاً عمرانياً غير قابل للتخطيط يظهر، في الوقت الذي تنتظر فيه البلديات قوانين وسياسات جديدة تعالج الواقع الحالي، وتستمر في إدارة الملف بإجراءات مؤقتة وسياسة “غض الطرف”. وفي جاسم، لا ينتظر محمد أبو قاسم، تشريعات جديدو حتى يستكمل منزله، يواصل البناء على أرضه الزراعية التي ورثها عن أبيه، ويستعد للانتقال مع عائلته خلال الأشهر القادمة لمنزلهم الجديد، معتمداً على الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء، وصهاريج نقل المياه لتوفير مياه الشرب، وحفرة فنية لتصريف مياه المنزل. فبالنسبة له كان البناء خارج المخطط الطريق الوحيد لامتلاك منزل، بعدما أبعدته أسعار العقارات المرتفعة داخله، وعلى الرغم من هذا البعد عن المدينة، فإن ملامح حي جديد تتشكل في محيط منزله. The post بيوت خارج المخطط: كيف يسبق عمران درعا الطرق والخدمات العامة؟ appeared first on Syria Direct.
#سوريا#اقتصاد