
طاقةعاجل27/9/2026، 10:44:31 ص0
النفط يتدفق والوقود ينفد: مفارقة تحوّل سوريا إلى ممر جديد للطاقة
تندفع مئات صهاريج الوقود الحمراء والبيضاء على الطريق السريع بين طرطوس وحمص، فيما تتنقل الشاحنات العملاقة بين السيارات بصورة تثير القلق، وكأن سائقيها بالكاد يسيطرون عليها. يجلس السائقون منحنين داخل مقصورات سياراتهم يدخنون سجائر رخيصة وهم يسابقون الزمن باتجاه الحدود العراقية، وقد ب
تندفع مئات صهاريج الوقود الحمراء والبيضاء على الطريق السريع بين طرطوس وحمص، فيما تتنقل الشاحنات العملاقة بين السيارات بصورة تثير القلق، وكأن سائقيها بالكاد يسيطرون عليها. يجلس السائقون منحنين داخل مقصورات سياراتهم يدخنون سجائر رخيصة وهم يسابقون الزمن باتجاه الحدود العراقية، وقد بلّل العرق جلابيبهم تحت أشعة الشمس القاسية. انتهى عملهم وحان وقت العودة إلى ديارهم، لكنهم سيعودون لاحقاً. ففي هذه الأيام، يمتدّ على طرق المنطقة الساحلية السورية طابور لا ينتهي من صهاريج النفط، ينتظر كلٌّ منها السماح له بالدخول إلى محطة التصدير الوحيدة في سوريا، الواقعة في مدينة بانياس الساحلية. تشهد سوريا طفرة في عبور النفط عبر أراضيها بسبب إغلاق مضيق هرمز. فقد حوّلت الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في شباط/ فبراير 2026، سوريا إلى حلقة برية رئيسية تربط بين مورّدي الطاقة في العراق والأسواق الأوروبية، وهو تطور قد يدرّ على دمشق إيرادات هي بِأمسّ الحاجة إليها. ففي نيسان/ إبريل، وقّع العراق اتفاقاً مع دمشق لإعادة توجيه جزء من صادراته النفطية برّاً عبر سوريا. ومنذ ذلك الحين، بحسب المتحدث باسم الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا، مشير الرمح: “تجاوز عدد صهاريج المحروقات التي عبرت منفذ التنف الحدودي 65 ألفاً، إضافة إلى نحو عشرة آلاف شاحنة محمّلة بـ329 ألف طن من البضائع [المستوردة]”. لكن المفارقة بالنسبة إلى سوريا تكمن في الآتي: فيما تتدفق الصادرات عبر أراضيها، لماذا يعاني السوريون من شحّ البنزين وارتفاع أسعار الوقود؟ لكن المفارقة في سوريا هي: فيما تتدفق الصادرات عبر أراضيها، لماذا يعاني السوريون من شحّ حادّ في البنزين؟ سوريا تعيد تموضعها وسط إعادة اصطفاف إقليمي يمثّل دور سوريا الجديد ممرّاً لعبور النفط أحدث خطوة ضمن مساعٍ أوسع لإعادة دمج البلاد في الاقتصاد العالمي. وفي نيسان/ أبريل، خلال اجتماع مع مسؤولين من الاتحاد الأوروبي في قبرص، دعا الرئيس أحمد الشرع إلى تبنّي “مبادرة البحار الأربعة”، وهي خطة وضعها معهد “نيو لاينز”، مركز الأبحاث الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقرّاً له، وتسعى إلى جعل سوريا وتركيا مركز عبور استراتيجي يربط الخليج والبحر الأبيض المتوسط بالبحر الأسود وبحر قزوين وبحسب المعهد، من شأن هذه المبادرة أن تُسهم في تحقيق “سيادة أوروبية في مجال الطاقة، بعيداً عن الاعتماد على روسيا وإيران”، مع دعم “إعادة إعمار الاقتصاد السوري بتمويل من إيرادات العبور”. دعم بشار الأسد خطة مشابهة عام 2004، أُطلق عليها اسم “رؤية البحار الخمسة”، لكنها انهارت في خضم حرب العراق والتوترات بين دول الخليج وإيران وتركيا. ولا تقتصر الرؤية الحالية على نقل النفط فحسب، إذ أُبرمت خلال العام الماضي عدة اتفاقيات مع شركات أوروبية. وفي عام 2025، وقّعت شركة النقل البحري والخدمات اللوجستية الفرنسية “سي إم إيه سي جي إم” اتفاقاً قُدّرت قيمته بـ 260 مليون دولار لإعادة تطوير مرفأ اللاذقية. لكن صياغة خطة كهذه في مذكرة تفاهم أو مقترح سياسات أسهل بكثير من تحويلها إلى واقع على الأرض. يقول زياد أيوب عربش، أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق: “إن سوريا تواجه عقبات هائلة ولا تزال المنطقة مضطربة، ويتعيّن على [كلّ من سوريا والعراق] التعامل مع تحدّيات أمنية معقّدة، ورغم تخفيف العقوبات، لا يزال التعامل مع هذه الأطر القانونية والمالية يشكّل تحدياً كبيراً أمام استقطاب الاستثمارات الدولية”. وأضاف: “رغم ذلك، تواصل الأزمة الجيوسياسية الراهنة تسريع تنامي دور سوريا. حتى أن الولايات المتحدة بدأت باستيراد وقود عراقي المنشأ عبر هذا الطريق البري”. ورغم الصعوبات، تعكس خطة كهذه تحوّلاً جيوسياسياً أعمق، ليس في سوريا فحسب، بل في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. ففي السابع من آب/ أغسطس، وقّعت تركيا وباكستان والسعودية “اتفاق مكة للدفاع المشترك” التاريخي، الذي أطلقت عليه وسائل إعلام عديدة اسم “الناتو الإسلامي”. وتعكس المعاهدة تقارباً متزايداً في المصالح المناهضة للعدوان الإسرائيلي ومحاولات إيران إعادة تشكيل “محور المقاومة”. وبحسب تقارير، تدرس دمشق الانضمام إلى الاتفاق، في وقت تجد فيه سوريا نفسها في صلب هاتين المسألتين. ومنذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحتل إسرائيل أجزاءً من محافظتَي القنيطرة ودرعا، إضافة إلى هضبة الجولان التي احتلتها عام 1967 وضمّتها بصورة غير قانونية عام 1981. كما تشنّ غارات جوية بصورة منتظمة على سوريا، كان آخرها قصف قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب في 18 آب/ أغسطس. في غضون ذلك، تحاول إيران والجماعات الموالية لها في العراق استغلال حركة العبور لإعادة فتح ممر نقل الأسلحة بين إيران وحزب الله في لبنان. في غضون ذلك، تحاول إيران والجماعات الموالية لها في العراق استغلال حركة العبور لإعادة فتح ممر نقل الأسلحة بين إيران وحزب الله في لبنان. ففي تموز/ يوليو، ضبطت السلطات السورية شحنة كبيرة من الأسلحة والصواريخ المتطورة عند معبر التنف، حيث أفادت تقارير بأنها كانت مخبّأة داخل صهريج نفط. وأوضح عربش: “تحاول إيران وحلفاؤها استغلال طريق العبور التجاري الجديد هذا. بعد قطع [الممر] القديم المدعوم من الدولة، وباتت استراتيجية إيران الجديدة تقوم على نموذج [الشبكة]، باستخدام شحنات لامركزية تُدمج في حركة التجارة المشروعة، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة”. حلّ أشبه بضمادة مؤقتة رغم أن مشهد مئات الشاحنات وهي تعبر سوريا بأصواتها الهادرة مثير للإعجاب بلا شك، إلا أن الاستراتيجية الراهنة تبدو أشبه بضمادة صغيرة وُضعت فوق جرح غائر انفتح في اقتصاد العراق المعتمد على الصادرات. قبل الحرب الأخيرة في إيران، كان العراق يصدّر نحو 3.5 مليون برميل من النفط يومياً عبر مضيق هرمز. وبحسب أحمد قباجي، نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، صُدّر عبر سوريا منذ نيسان/ أبريل نحو 2.123 مليون طن، أي ما يعادل 15 مليون برميل. ولا تمثّل هذه الكمية سوى صادرات العراق البحرية لأربعة أيام وفق معدلات ما قبل الحرب. ولزيادة القدرة الاستيعابية، اتفقت بغداد ودمشق على إنشاء خط أنابيب جديد وبنية تحتية للتصدير تربط حقول النفط العراقية مباشرة بساحل البحر الأبيض المتوسط. لكن من المتوقَّع أن تبلغ تكلفة المشروع 15 مليار دولار على الأقل، وأن يستغرق إنجازه ما يصل إلى أربع سنوات. وقد يشكّل طريق العبور الجديد هذا مورداً مهماً لخزينة الدولة السورية، إلا أن الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية امتنعت عن الكشف عن قيمة رسوم العبور التي ستُحصّل. لكن ذلك لا يقدّم الكثير للمواطنين السوريين العاديين، الذين يعيشون حالياً أزمة محروقات غير مسبوقة. فبينما تمرّ مئات الشاحنات المحمّلة بالبنزين بأصواتها الهادرة بمحاذاة محطة دير حجر للوقود على طريق طرطوس، يكتوي السوريون داخل سياراتهم بِحَرّ شمس الصيف، منتظرين دورهم لتعبئة الوقود. يقول فراس، وهو زائر قادم من ريف دمشق إلى الساحل السوري: “سبق أن اضطررت إلى الانتظار وقتاً أطول بكثير”. ويحتمي فراس من أشعة الشمس الحارقة في ظل محطة الوقود المتهالكة. ويضيف ضاحكاً: “تركت صديقي في السيارة. لكن لا بأس، ففي دمشق قد تنتظر بسهولة ساعتين أو ثلاثاً”. ويوضح صاحب المحطة: “عادةً ما نشغّل ست مضخات، لكن كمية البنزين المتوفرة لدينا لا تكفي إلا لتشغيل واحدة فقط هناك نقص، فماذا عسانا أن نفعل؟”. وفي تموز/ يوليو، اعتذر وزير الطاقة السوري محمد البشير للمواطنين عن النقص، عازياً الأزمة إلى رفض شحنة بنزين لم تكن مطابقة للمواصفات. لكن بعض التقارير أشارت إلى أن نقص الوقود في سوريا قد يكون نتيجة مباشرة لعبور ملايين براميل النفط أراضيها أسبوعياً. وتُعدّ بانياس محطة التصدير الوحيدة في سوريا القادرة على نقل النفط من الصهاريج البرية إلى ناقلات النفط المنتظرة. وهي أيضاً المحطة الوحيدة التي تُفرّغ فيها شحنات الوقود المستوردة تمهيداً لتوزيعها براً. ولذلك، تمثّل شريان حياة لبلد يعاني شحّاً حادّاً في الوقود، بعدما دمّرت سنوات الحرب البنية التحتية لإنتاج النفط المحلي. ولا يبدو أن مضيق هرمز سيُفتح في وقت قريب، فيما قد يؤدي استيلاء الحوثيين مؤخراً على جزيرة بريم في مضيق باب المندب إلى مزيد من الاضطراب في طرق الشحن الدولية. وبينما يسابق العالم الزمن لإيجاد طرق بديلة للتصدير، يُرجّح أن تبقى الصهاريج العراقية مشهداً مألوفاً على الطرق السورية لوقت طويل. ويبقى السؤال: هل تستطيع دمشق توظيف موقعها الجديد بما يعود بالنفع على السوريين العاديين؟ وإلى متى يمكن للسوريين تحمّل ارتفاع أسعار الوقود من دون اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في البلاد؟ The post النفط يتدفق والوقود ينفد: مفارقة تحوّل سوريا إلى ممر جديد للطاقة appeared first on Syria Direct.
#سوريا
