نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
سورياعاجل28‏/5‏/2026 12:27:33 م1

المعتقلون السوريون في العراق.. تحركات حكومية ومخاوف حقوقية

في وقتٍ تتسارع فيه خطوات تنفيذ الاتفاق الموقّع بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في 29 من كانون الثاني، يعود ملف المرحّلين من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق ليتصدر المشهد مجددًا، بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا على المستويات الأمنية والقانونية والإنساني

في وقتٍ تتسارع فيه خطوات تنفيذ الاتفاق الموقّع بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في 29 من كانون الثاني، يعود ملف المرحّلين من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق ليتصدر المشهد مجددًا، بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا على المستويات الأمنية والقانونية والإنسانية. ويبرز هذا الملف مع استمرار مطالبات الأهالي بالكشف عن مصير أبنائهم، في مقابل تحركات حكومية سورية لإعادة قسم من المرحّلين، بالتوازي مع تحذيرات حقوقية من الانتهاكات التي قد يتعرض لها المعتقلون داخل السجون العراقية، وسط جدل قانوني حول شرعية محاكمة سوريين خارج بلادهم. وقال نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المشرف على تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، أحمد الهلالي، في تصريح لعنب بلدي، إن جهاز الاستخبارات العامة يتابع بالتنسيق مع وزارة الخارجية ملف السوريين المرحّلين إلى العراق. وأضاف الهلالي أن العمل جارٍ لاستقبال دفعة من السوريين المرحّلين، بعد دراسة ملفاتهم وتهيئة البيئة القانونية اللازمة لفرز القضايا بين المتهمين الفعليين والمعتقلين بشكل تعسفي، موضحًا أن الملف “معقد ومتداخل أمنيًا وقانونيًا وإنسانيًا”. ملف متشابك منذ سنوات تعود قضية المرحّلين إلى العراق إلى فترة المعارك والتوترات العسكرية التي شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا بين القوات الحكومية السورية و”قسد”، حين نقل التحالف الدولي مئات المعتقلين المتهمين بالانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” من سجون “قسد” إلى العراق. وفي حين تؤكد جهات أمنية عراقية ودولية أن غالبية المرحّلين متهمون بالانتماء إلى التنظيم أو العمل ضمن صفوفه، تقول عائلات عدد منهم إن أبناءها اعتُقلوا بصورة تعسفية، أو على خلفيات تتعلق بالاشتباه فقط، دون محاكمات واضحة أو إجراءات قانونية مكتملة. وأعلن المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي العراقي أن العدد الإجمالي للمعتقلين الذين نُقلوا من السجون السورية إلى العراق بلغ 5704 معتقلين يمثلون 61 دولة، بينهم 3543 سوريًا، وهي النسبة الأكبر بين الجنسيات، إضافة إلى 467 عراقيًا، و4253 من جنسيات عربية أخرى، و983 من جنسيات أجنبية. وتحوّل هذا الملف خلال الأشهر الأخيرة إلى قضية رأي عام في مناطق عدة من ريف الحسكة، خصوصًا في ناحيتي الهول وتل براك، حيث خرجت احتجاجات واعتصامات متكررة للمطالبة بالكشف عن مصير المعتقلين. تحذيرات حقوقية من “الإخفاء القسري” في المقابل، حذّرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” من الانتهاكات التي قد يتعرض لها المعتقلون المنقولون إلى العراق، معتبرة أن عمليات النقل تضعهم أمام مخاطر “الإخفاء القسري والمحاكمات الجائرة والتعذيب وسوء المعاملة”. وقالت المنظمة، في بيان نشرته في 17 من شباط الماضي، إن نقل المعتقلين إلى العراق قد يشكل انتهاكًا لمبدأ “عدم الإعادة القسرية” المنصوص عليه في القانون الدولي، نظرًا إلى وجود مخاطر جدية تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة داخل السجون العراقية. وأضافت المنظمة أن الدور الأمريكي في عمليات الاحتجاز والنقل عبر الحدود قد يجعل واشنطن “شريكة” في أي انتهاكات ناتجة عن تلك العمليات، خاصة في ظل ما وصفته بـ”الانتهاكات الموثقة للإجراءات القانونية الواجبة” في ملفات مكافحة الإرهاب داخل العراق. وقالت الباحثة في شؤون العراق لدى المنظمة، سارة صنبر، إن المعتقلين “احتُجزوا لسنوات دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، وهم الآن محتجزون في بلد آخر دون ضمانات كافية”. وأضافت أن “ضحايا جرائم التنظيم يستحقون عدالة حقيقية، وهذا يتطلب محاكمات عادلة للمتهمين”، معتبرة أن المجتمع الدولي تأخر طويلًا في معالجة هذا الملف وتحمل مسؤولياته تجاه مواطنيه المعتقلين في سوريا. احتجاجات الأهالي تتواصل في ريف الحسكة، لا يزال الملف يحمل أبعادًا إنسانية ثقيلة على عائلات المعتقلين، التي تؤكد أنها تعيش حالة من الغموض الكامل منذ سنوات. وقال “أحمد” (اسم مستعار)، وهو أحد ذوي المعتقلين من ناحية الهول، لعنب بلدي، إن العائلات “تعيش حالة من الضياع الكامل”، مضيفًا: “لا نعرف أين أبناؤنا، هل هم في سجون داخل سوريا أم في العراق، ولا توجد أي جهة تعطينا جوابًا واضحًا”. وأضاف أن بعض المعتقلين “أُخذوا بتهم جاهزة”، وفق تعبيره، مشيرًا إلى أن الأهالي مستمرون في الاحتجاجات حتى الحصول على معلومات واضحة حول مصير أبنائهم. وفي بلدة تل براك، قالت “جازية” (اسم مستعار)، وهي والدة أحد المعتقلين، إن ابنها اعتُقل منذ سنوات قبل أن تتلقى العائلة معلومات تفيد بنقله إلى العراق. وأضافت: “منذ ذلك الوقت لا نعرف عنه شيئًا. نريد محاكمته هنا في سوريا إن كان مذنبًا، لكن ليس بهذه الطريقة”. وتعكس هذه الشهادات حالة القلق المتصاعدة بين العائلات، خاصة مع غياب قنوات تواصل رسمية واضحة، وتضارب المعلومات بشأن أماكن الاحتجاز وآليات المحاكمة. جدل قانوني حول المحاكمات ويرى مختصون قانونيون أن محاكمة معتقلين سوريين داخل العراق تثير إشكاليات قانونية كبيرة، خصوصًا في ظل اختلاف الأنظمة القضائية، والاتهامات المتعلقة بغياب ضمانات المحاكمة العادلة. وقال المحامي محمد النايف، لعنب بلدي، إن محاكمة أشخاص خارج الدولة التي ارتُكبت فيها الجرائم “تمثل خللًا في مسار العدالة”، معتبرًا أن الأصل القانوني يقتضي محاكمة المتهمين داخل بلدانهم وضمن أطر قضائية وطنية. وأوضح النايف أن بعض المرحّلين كانوا قاصرين عند اعتقالهم، وقضوا سنوات طويلة داخل السجون، ما يثير تساؤلات حول قانونية الإجراءات المتخذة بحقهم. وأضاف أن هناك شبهات تحيط بظروف اعتقال بعض الأشخاص، مشيرًا إلى أن تهم الانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” استُخدمت أحيانًا بصورة تعسفية من قبل “قسد”، وفق تعبيره. ورأى النايف أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تبدأ بإعادة المعتقلين السوريين إلى بلادهم، وإخضاعهم لمحاكمات تستند إلى القانون السوري وتراعي المعايير القانونية وحقوق الدفاع. اتفاق 29 كانون الثاني أمام اختبار التنفيذ يأتي تحريك ملف المعتقلين بالتزامن مع خطوات متسارعة لتنفيذ الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و”قسد” في 29 من كانون الثاني، والذي تضمّن بنودًا تتعلق بملفات أمنية وإدارية وعسكرية، من بينها تبادل وإطلاق المعتقلين. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة السورية عن خطوات لاستقبال دفعات من المرحّلين وإعادة دراسة ملفاتهم، تبقى العائلات في شمال شرقي سوريا بانتظار إجابات واضحة حول مصير أبنائها، وسط مخاوف من أن يتحول هذا الملف إلى أزمة طويلة الأمد تتجاوز حدود السياسة والأمن، لتطال الجوانب الإنسانية والقانونية والاجتماعية على حد سواء.
#سوريا#أمن