نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
اقتصادعاجل27‏/9‏/2026، 10:47:23 ص0

11 أيلول/ سبتمبر بعيون سورية

إذا سألت سورياً عادياً في الشارع عن رأيه في أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، في ذكراها الخامسة والعشرين، قد يأتي جوابه على الأرجح: “اليهود فعلوها”. تنطوي هذه المزاعم على جاذبية عاطفية ونفسية واضحة، فالعرب والمسلمون ليسوا أبرياء من الجريمة فحسب، بل لُفّقت لهم أيضاً. وإذا أشرت إ

إذا سألت سورياً عادياً في الشارع عن رأيه في أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، في ذكراها الخامسة والعشرين، قد يأتي جوابه على الأرجح: “اليهود فعلوها”. تنطوي هذه المزاعم على جاذبية عاطفية ونفسية واضحة، فالعرب والمسلمون ليسوا أبرياء من الجريمة فحسب، بل لُفّقت لهم أيضاً. وإذا أشرت إلى اعتراف تنظيم “القاعدة” نفسه بالمسؤولية، تتّسع نظرية المؤامرة: “ومن تكون القاعدة؟ إنها صنيعة إسرائيل!”. إنّ هذا الغياب الظاهري للمراجعة الذاتيّة، أو حتى للفضول العابر، إزاء حدث أعادت أصداؤه تشكيل الشرق الأوسط، يبعث على الإحباط. فقد عانى العراقيون والأفغان تداعياته بصورة مباشرة ومأساوية. قُتِل ثلاثة آلاف شخص في الهجوم المباشر على مركز التجارة العالمي. بينما مشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة براون قال أن: 4.5 مليون شخص لقوا حتفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مناطق الحروب التي أعقبت 11 أيلول/ سبتمبر خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ذلك هو ثمن الغضب الأميركي. في سوريا، تكشّفت التداعيات بوتيرة أبطأ. ففي البداية، عرض بشار الأسد تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة. ولاحقاً، بعدما غزا الرئيس بوش العراق وبدا أنه يهدد سوريا بالغزو وفرض عقوبات إضافية عليها، ساعد الأسد في تمرير الأسلحة والمفجّرين الانتحاريين عبر الحدود، في محاولة لإغراق القوات الأميركية في مستنقع هناك. “قُتِل ثلاثة آلاف شخص في الهجوم على مركز التجارة العالمي. ويقدّر مشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة براون أنّ 4.5 مليون شخص لقوا حتفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مناطق الحروب التي أعقبت 11 أيلول/ سبتمبر خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية؛ ذلك هو ثمن الغضب الأميركي” ساعد التقارب بين أجهزة الاستخبارات السورية والجماعات المتمرّدة العراقية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة في دفع جيل من الشباب السنّة السوريين نحو التطرّف. وكان أحمد الشرع واحداً من آلاف المتطوعين السوريين الذين شُجِّعوا على قتال القوات الأميركية، وعلى “إفشال المشروع الأميركي في العراق”، على حدّ تعبير المحللين التلفزيونيين المعادين للولايات المتحدة في العالم العربي. وقد نجحت هذه السياسة أكثر مما ينبغي. ما بدأ محاولة انتهازية من الأسد لامتلاك ورقة ضغط على الولايات المتحدة، عرّض جيلاً كاملاً من السنّة السوريين لأفكار السلفية الجهادية وشبكاتها. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2005، صرّحتُ لصحيفة “الغارديان“: “تمثّل الحركة السلفية السُنّيَّة، بتفرّعاتها الجهادية، قوة متنامية داخل سوريا، ولا سيما بين شباب الأرياف. ولا تخضع هذه الحركة لتأثير الأحزاب الإسلامية التقليدية، مثل جماعة الإخوان المسلمين. إنها ظاهرة جديدة نسبياً، منحها التمرّد في العراق دفعة كبيرة… وهي تمثّل أقوى تحدٍّ لنظام [الأسد] على الأرض”. كان معظم المحللين آنذاك سيسخرون من ذلك التقييم. فالأسد، في نهاية المطاف بدا راسخاً في السلطة، وكانت أجهزته الأمنية تُحكِم قبضتها على أيّ معارضة. وفي غضون ذلك، وتحت الاحتلال الأميركي، انتقل العراق إلى أيدي أحزاب شيعية مقرّبة من إيران، ما عزّز الأسد على المدى الطويل فهو نفسه حليف إيران. شهد العقدان اللذان أعقبا أحداث 11 أيلول/ سبتمبر اصطفافاً بحكم الأمر الواقع بين الولايات المتحدة وإيران الشيعية ووكلائها الإقليميين؛ إذ جمعهما عدوٌّ مشترك تمثّل في الجماعات السُنّيَّة المسلّحة. وقال بول بريمر، الحاكم الأميركي للعراق بين عامي 2003 و2004، في مقابلة عام 2016: “لم تكن هذه الإطاحة بصدام مجرد إطاحة بصدام، بل كانت إطاحة ببنية سلطة [سُنّيَّة] قائمة منذ ألف عام”. وبسبب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، لم تعد الجماعات الشيعية المسلّحة تُعدّ “الأشرار” في المنطقة. وخلال سنوات حكم باراك أوباما، بات يُنظر إليها حتى بوصفها حلّاً. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2015، قال أوباما إنه سيحترم المصالح الإيرانية في بلاد الشام، بما في ذلك الحفاظ على نظام الأسد. “ينتمي 11 أيلول/ سبتمبر إلى التاريخ الأميركي، لكنه يمثّل أيضاً فصلاً من التاريخ السياسي لسوريا” ربما يكون الربيع العربي قد وفّر شرارة الثورة السورية، لكن مثاليّته وحدها لم تكن كافية لإطاحة الأسد. وبحلول عام 2014، كانت المظاهرات في أماكن أخرى قد خمدت إلى حدٍّ كبير، في حين نجح الأسد في تصوير نفسه بوصفه ضحية أخرى للتطرّف السنّيّ. وبدت سوريا وكأن جهاديين ملتحين يقطعون رؤوس الناس قد اجتاحوها. ما الذي تغيّر؟ بكلمة واحدة: الزمن. خلال السنوات الخمس والعشرين التي أعقبت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، كانت إيران قد تضخّمت بفعل الاصطفاف الضمني المناهض للسنّة مع الولايات المتحدة. فابتلعت العراق، الذي قدّمه لها المحافظون الجدد على طبق من فضة، ثم لبنان وسوريا واليمن. ولم تتغيّر الأمور إلا عندما بدا أنّ إيران تهدّد إسرائيل. وفي أعقاب 7 تشرين الأول/ أكتوبر، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل حريصتين إلى حدٍّ كبير على كبح قوة إيران، إلى درجة التفكير في اصطفاف ضمني مع “هيئة تحرير الشام”، التي كانت تابعة لتنظيم “القاعدة” سابقاً. لم يكونوا أصدقاء، لكنهم امتلكوا عدوّاً مشتركاً، إيران الشيعية. كان مثل هذا التفاهم مستحيلاً في عام 2014، لكنه أصبح مقبولاً بحلول عام 2024. أما التنظيم الذي كان تابعاً لـ”القاعدة” سابقاً، فقد أمضى -من جانبه- سنوات في إثبات ما قدّمه بوصفه قطيعة لا رجعة فيها مع الجهادية العابرة للحدود. وما تبقّى كان حركة إسلامية سُنّيَّة تعلن عدائها لإيران، وتملك من الانضباط والفعالية العسكرية ما يؤهلها لتكون ثقلاً موازناً لنظام إقليمي إيراني نشأ بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، واستمر عشرين عاماً، بل وتجاوز حدوده. كان تحوّل سوريا من دولة يهيمن عليها العلويون ومتحالفة مع إيران وروسيا، إلى دولة يهيمن عليها السنّة ومتحالفة مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، إنجازاً لافتاً في الهندسة الجيوسياسية. ولم يكن لهذا التحوّل أن يحدث لولا القوى التي أطلقتها أحداث 11 أيلول/ سبتمبر: “الحرب على الإرهاب”، والغزوات الأميركية، وتعمّق الطائفية، وصعود تنظيم “الدولة الإسلامية”، والاضطرابات التي أعقبت ذلك. “حاول الأسد أولاً عرقلة الحرب على الإرهاب، ثم استخدم شعار الحرب على الإرهاب لمحاربة جهاديين كانوا هم أنفسهم أبناء الحرب على الإرهاب” ومن المفارقات أن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر أتاحت للأسد قتل آلاف المدنيين باسم محاربة الإرهاب، واستخدام المصطلح الفضفاض نفسه لوصم جميع معارضيه بالإرهابيين. حاول الأسد أولاً عرقلة الحرب على الإرهاب، ثم استخدم شعار الحرب على الإرهاب لمحاربة جهاديين كانوا هم أنفسهم أبناء الحرب على الإرهاب. والمفارقة الأكبر أن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، التي خطّط لها أسامة بن لادن لإحداث أزمة بين العالم السنّي والولايات المتحدة، انتهت إلى تقريب السنّة من الولايات المتحدة، بل وحتى قادة سابقين في تنظيم “القاعدة”. وهذا بالتأكيد ما يحدث في سوريا. وربما يكون السنّة بمن فيهم المتطرّفون، قد تعلّموا درساً قيّماً، فالمواجهة المفتوحة الأمد مع الولايات المتحدة والغرب عموماً لا تنتهي إلا بما يصبّ في مصلحة الشيعة. ويبدو أنّ 11 أيلول/ سبتمبر ينتمي إلى التاريخ الأميركي، لكنه يمثّل أيضاً فصلاً من التاريخ السياسي لسوريا. والسوريون في أمسّ الحاجة إلى فهم أكثر عمقاً للكيفيّة التي أسهمت بها أحداث وقعت قبل 25 عاماً في تشكيل البلد الذي يعيشون فيه اليوم. ومن دون هذا الفهم، قد يجدون صعوبة في استيعاب كيفية وصول حكامهم الحاليين إلى السلطة، ومصالح مَن جعلت انتصارهم ممكناً، وما تعنيه هذه الحقائق للمستقبل. الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع “سوريا على طول”. The post 11 أيلول/ سبتمبر بعيون سورية appeared first on Syria Direct.
#سوريا#اقتصاد