نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
سورياعاجل27‏/9‏/2026، 6:53:55 م4

لماذا نصدق الشائعة أكثر من الحقيقة !

لا تهدأ السجالات الرقمية بين السوريين على منصَّات التواصل الاجتماعي؛ فالـ«ترندات» تتوالى، والأحداث اليومية تتحوّل سريعاً إلى مادة للجدل. وكثير من هذه الأحداث ينتهي على الأرض خلال ساعات وتعود الحياة إلى طبيعتها، لكن صداه الرقمي يمتدّ أياماً، تُضخَّم فيها التفاصيل، وتُقتطع الوقائع

لا تهدأ السجالات الرقمية بين السوريين على منصَّات التواصل الاجتماعي؛ فالـ«ترندات» تتوالى، والأحداث اليومية تتحوّل سريعاً إلى مادة للجدل. وكثير من هذه الأحداث ينتهي على الأرض خلال ساعات وتعود الحياة إلى طبيعتها، لكن صداه الرقمي يمتدّ أياماً، تُضخَّم فيها التفاصيل، وتُقتطع الوقائع من سياقها الزمني والمكاني، وتنتشر معلومات غير دقيقة على نطاق واسع. وبين الحادثة كما جرت والصورة المتضخمة التي تتشكل عنها في الفضاء الرقمي، تتّسع فجوة تُحوّل الاختلاف العادي في الروايات إلى عامل يُذكي التوتر ويعمّق الانقسام، وقد يصل إلى تهديد السلم الأهلي وتأجيج خطاب الكراهية. من خلاف فردي إلى استنفار: وقائع من ريف دمشق تجلّت هذه الإشكالية في أحداث شهدتها مناطق في ريف دمشق ومحافظات أخرى: جديدة عرطوز، آب/ أغسطس 2026: تَحوّل خلاف عائلي محلي، انتهى على الأرض بجلسة صلح عشائرية ومجتمعية، إلى موجة شائعات وتفاعلات محمومة على المنصات، أُلبست أبعاداً مناطقية تحريضية. صحنايا، نيسان/أبريل 2025: أخذ خلاف شخصي بين شابين منحًى طائفياً بمجرد انتقاله إلى المنصات، ورافقه خطاب كراهية مباشر انعكس على الأرض في حالة استنفار أمني وتوتر عام في المنطقة. ولا تقتصر الظاهرة على الخلافات الفردية والمجتمعية؛ فالجرائم الجنائية كذلك يتجاوز صداها الرقمي حجمها الحقيقي عدة مرات، بفعل التكرار والتضخيم المستمرَّين من المستخدمين والصفحات العامة، ما يضاعف الخوف والقلق لدى المواطنين ويؤثّر في إحساسهم بالأمان. السؤال المحوري يطرح هذا التحقيق سؤالاً جوهرياً عن دور منصّات التواصل وصنَّاع المحتوى في تشكيل الصورة الذهنية للأحداث: متى يتحول النقل الإخباري إلى تضخيم متعمّد؟ وهل تسهم إعادة نشر المعلومات غير الموثَّقة في تأجيج النعرات وتحويل الأحداث المحدودة إلى أزمات كبرى؟ وللإجابة عنه، استمعنا إلى مسؤولين في الجهات الرسمية، وإلى صحفيين، وإلى مواطنين. المؤثّرون وصنّاع المحتوى: التفاعل قبل التحقُّق يبرز سعي صنّاع المحتوى والمؤثّرين إلى التفاعل اللحظي وزيادة المشاهدات عاملاً رئيسياً في تضخيم الأحداث؛ إذ يدفعهم اللُّهاث خلف “الترند” إلى تقديم المحتوى بصورة مثيرة وشاحنة عاطفياً، على حساب التحقُّق ووضع المعلومة في سياقها الصحيح. ومع سرعة الانتشار، تتحوّل الحادثة الفردية المحدودة إلى قضية رأي عام يرتفع معها منسوب الخوف حتى بعد انتهائها ميدانياً. وقد يتجاوز الأمر الخطأ غير المقصود إلى التضليل الصريح. ومن الأمثلة ما جرى في جرمانا في نيسان\ أبريل 2025، حيث فبرك أحد مشاهير التواصل تسجيلاً صوتياً ينطوي على إساءات دينية منسوبة إلى شخص من طائفة محددة، فاندلعت موجة غضب واسعة وحالة استنفار أدّت إلى سقوط ضحايا أبرياء. المصدر: بيان صادر عن قناة “سوريا تي في” حول التسجيل الصوتي المفبرك المنسوب للناشط المذكور. ويزداد الخطر حين يصدر التضليل عن بعض المؤثّرين المقيمين خارج البلاد؛ إذ يبتعدون عن موقع الحدث وقد يقدّرون تبعات ما ينشرون على الأرض تقديراً ناقصاً. ويدفعهم البحث عن التفاعل إلى نشر مواد غير موثوقة بطابع انفعالي، يحوّل خلافاً فردياً بسيطاً إلى “تهديد وجودي” لمنطقة أو طائفة بأكملها؛ فيكسب صاحب المحتوى المتابعين في الخارج، بينما يدفع المواطن في الداخل كلفة الخوف والاستنفار. أنماط التضليل وآليات التحقُّق: شهادات صحفية التحقُّق قبل النشر ترى الصحفية ميساء الحسين، من مؤسسة الجولان الإعلامية، أن منصّات التواصل لا يمكن اعتبارها مصدراً نهائياً أو مستقلاً للأخبار؛ فهي في رأيها “نظام إنذار مبكر ومقياس لنبض الشارع” يُستفاد منه في رصد القضايا والوصول الأولي إلى شهود العيان. وتحذّر من أن الانجرار خلف السبق الصحفي والنقل العاجل قبل اكتمال التحقُّق يهدد المصداقية ويوقِع في فخ التضليل. وتعتمد الحسين قاعدة تلخصها بقولها: “أن أصِلَ متأخرة بالحقائق واليقين، خيرٌ لي من أن أصِلَ الأُولى بالوهم والتضليل”. وتقوم آليتها على ثلاثة أمور: الشفافية مع الجمهور بالتنويه بأن الأنباء الأولية غير مؤكَّدة، والتحقُّق التقني عبر البحث العكسي عن الصور والمقاطع لتحديد تاريخها ومكانها، والامتناع عن التكهن والاستنتاجات الشخصية إلى حين اكتمال الوثائق والمصادر الموثوقة. أسباب التضليل وتتعدد أساليب التضليل المستخدمة في السياق السوري لإحداث الإرباك السياسي والأمني، ومن أبرزها: تدوير المواد الأرشيفية، بإعادة نشر صور وفيديوهات لأحداث قديمة وتقديمها بوصفها حدثاً عاجلاً. قرارات وتصريحات مفبركة تُنسب إلى مؤسسات رسمية. اجتزاء المقابلات لتغيير فحواها الأصلي. ويرى الصحفي كمال شاهين، من مؤسسة سيريا أنتولد، أن الخطورة تكمن في التوظيف الخبيث للمقاطع القديمة في أحداث مستجدة، ومثاله مقاطع تداولها متابعون عن احتجاجات في إدلب، تبيّن أنها تعود إلى عام 2014. ويقول إن اختلاق القصص والتهويل قد يجرّان إلى دماء حقيقية، مستشهداً بالأحداث الدامية في السويداء في 25 تموز\ يوليو 2025، وهي في رأيه انطلقت شرارتها الأولى من تسجيل صوتي وهمي مجهول المصدر. التضليل المنظَّم وضوابط العمل الصحفي أما الصحفي المستقل إبراهيم إسماعيل فيرى أن التضليل بات أكثر تنظيماً؛ إذ تقوم أجندات، بحسب قوله، على استحداث صفحات تُدار من شخصيات محسوبة على فلول النظام السابق، تقدّم نفسها “وكالات إعلامية” مزيفة وتروّج شائعات الاعتقال والخطف لإحداث الهلع والاستنفار، مستغلة ضعف الوعي بالأرشيف لتمرير روايات محرّفة، وهو وصف يَرِدُ على لسانه حصراً ولم يُسند إلى دليل مستقل آخر. ويضيف أن هذه الصفحات تستغل الأحكام المسبقة لتغذية الانحياز ضد المنتمين إلى الحراك الثوري أو القادمين من الشمال السوري، ما يدفع الإعلام المهني إلى التدخل سريعاً وتفنيد الشائعات عبر البيانات ومجموعات التراسل لكبح التوتر. وعن ضوابطه التحريرية، يرفض إسماعيل اعتماد منصات التواصل مصدراً أساسياً للأخبار، ويقصر تعامله على الحسابات الرسمية للمؤسسات المعروفة. وينتهج سياسة تريّث تقوم على الامتناع عن نشر أي خبر تنقصه معطيات ميدانية مؤكَّدة، واستبعاد الأخبار النصية والصور غير المتقاطعة ميدانياً، والتوقف عن النشر إلى حين صدور تأكيد أو نفي رسمي. الرصد والاستجابة الرسمية مديرية الإعلام في ريف دمشق يصف مدير مديرية الإعلام في ريف دمشق، يوسف البستاني أبو دقة، الأخبار الصفراء والشائعات الرقمية بأنها “سريعة الانتشار كالنار في الهشيم”. ويقول إن المديرية تعمل ضمن غرفة رصد ومتابعة على مدار الساعة لمراقبة المنصات، وبخاصة الحسابات المعروفة بأنها بؤر لبث الشائعات والأخبار المغلوطة. ويوضح أن التعامل مع ما يُرصد يتناسب مع حجم انتشار الشائعة وأثرها: فالشائعات محدودة الأثر تُترك من دون ردّ رسمي تجنباً لمنحها حجماً إعلامياً لا تستحقه، أما إذا اتسع انتشارها فتتدرج الردود من تصريحات صحفية عبر القنوات الموثوقة إلى بيانات رسمية حازمة تصدر عن المحافظة أو الوزارات المعنية للقطع بصحة الأنباء. ويقول أبو دقة إن مروّجي الشائعات يدرسون نفسية الجمهور ويستغلون أوقات الأزمات واللحظات الحرجة التي يبحث فيها المواطن عن إجابات، فيضخّون كميات كبيرة من المعلومات المضللة التي تخاطب العاطفة وتستغل غياب المعلومة الدقيقة أو تأخرها. ويحذّر خصوصاً من الشائعات التي تستهدف السلم الأهلي وتغذي النزاعات المجتمعية، مشيراً إلى أن أثرها النفسي يتجاوز الحدود المحلية ليصل إلى المغتربين السوريين الذين يتأثّرون بما يُشاع عن مدنهم ومناطقهم الأصلية. كما ينتقد “التنميط” الإخباري الذي تتبعه بعض الوسائل والصفحات؛ إذ تسلّط الضوء على زوايا مظلمة تشكّل، بحسب قوله، نسبة ضئيلة من حركة المجتمع، وتتجاهل الاستقرار والحياة الطبيعية، فتخلق صورة مشوّهة توحي بأن البلاد في اضطراب دائم، وفق تقديره الشخصي. ويؤكد أن علاقة المديرية بالصحفيين والوسائل الإعلامية قائمة على الشراكة والمصداقية، وأن الأخطاء التحريرية غير المقصودة تُعالج بحسن نية عبر التنبيه وطلب التصحيح، من دون اللجوء إلى الإجراءات القضائية. ويقول إنه لم تُسجَّل أي حالة احتجاز لصحفي بسبب عمله. غير أن اتحاد الصحفيين السوريين سجّل، في المقابل، حالات اعتقال لصحفيين خلال عام 2026 في دمشق، إضافة إلى منع آخرين من التصوير في مناطق متفرقة من سوريا، بحسب تقرير للاتحاد. ولم يصدر عن مديرية الإعلام حتى لحظة نشر هذا التحقيق ردٌّ محدد على هذا التناقض. وكشف أبو دقة عن خطط، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والصفحات المحلية، لتنفيذ حملات توعية للمؤثّرين بخطورة الكلمة وأثرها في الاستقرار العام. وزارة الداخلية من جهتها، ترى إدارة الإعلام في وزارة الداخلية، في تصريحات مكتوبة خاصة لـ”سوريا على طول”، أن أخطر الشائعات تلك التي تمسُّ السلم الأهلي، ولا سيما ما يثير النعرات الطائفية أو المناطقية ويزرع الخوف والتوتر في المجتمع. وتقول الوزارة إن تضخيم الحوادث المحدودة في ظل غياب الضبط على المنصات بات متكرراً ويرفع مستوى القلق، ما يضطر الأجهزة المعنية أحياناً إلى رفع الجاهزية الأمنية للحفاظ على الاستقرار. وعن استراتيجيتها، تشير الوزارة إلى منهجية قائمة على السرعة والشفافية: تبدأ بالتحقُّق المباشر من الوقائع بالتنسيق مع الجهات الميدانية في موقع الحدث، ثم تقدّم المعلومة الموثوقة عبر قنواتها الرسمية والناطق باسمها لسد الفراغ المعلوماتي الذي تتغذى عليه الشائعات، بالتوازي مع التواصل المباشر مع وجهاء المناطق والفعاليات المحلية. وتشدد الإدارة على التمييز بين حرية التعبير والنقد المشروع من جهة، والتحريض على الكراهية والعنف ونشر التضليل من جهة أخرى، وتؤكد أن التعامل مع التجاوزات يتمّ حصراً ضمن الأطر القانونية والقضائية المعتمدة، بما يوازن بين صون حرية التعبير وحماية أمن المجتمع وسلمه الأهلي. بلدة جديدة عرطوز بعد تصاعد التوترات – 28 آب 2026 (مديرية إعلام ريف دمشق) صوت الشارع: كيف يلمس المواطن أثر التهويل الرقمي؟ تتقاطع شهادات ثلاثة مواطنين تواصلنا معهم عبر منصات التواصل، عند أثر الشائعة في إحساسهم بالأمان: سامر، 42 عاماً، كاسب في ريف دمشق: “في أحد الأيام انتشر خبر عن قطع طرق وحوادث خطف في منطقتنا، فأغلقت المحل وعدت إلى المنزل خائفاً. وتبيّن لاحقاً أن الأمر لا يتعدى شجاراً بين شخصين انتهى في حينه، بينما جعلتنا الأخبار على منصات التواصل نعيش حالة حرب لعدة ساعات”. رندة، 24 عاماً، طالبة جامعية: “فقدت الثقة بالفيديوهات ذات العناوين الصادمة على فيسبوك وتيك توك بعدما تبيّن أن غالبيتها مقتطعة أو قديمة. المشكلة تكمن في إعادة مشاركة الأخبار قبل التثبت، وتأخر المصادر الرسمية في النفي يدفع الشارع إلى تصديق الشائعة لبعض الوقت”. أبو محمد، 63 عاماً، موظف متقاعد: يفضّل الذهاب فوراً للسؤال في الشارع أو التواصل مع أقربائه في موقع الحدث، لأن منصّات التواصل تضخّم كل شيء؛ فالخبر الذي يحتاج إلى دقيقة ليُحسم على الأرض يستغرق أسبوعاً ليهدأ على المنصّات. ويؤكد حاجة المواطنين إلى معلومة رسمية سريعة تحدّ من الضياع. وتلتقي شهادتا رندة وأبو محمد عند نقطة تخص الجهات الرسمية نفسها: الحاجة إلى معلومة رسمية أسرع تسبق الشائعة. خلاصة : مسؤولية مشتركة في حماية الحقيقة تتطلب مواجهة الفوضى الرقمية تكاملاً بين ثلاثة أطراف: الصحفي: الالتزام بالتحقُّق من مصادر مستقلة قبل النشر، وتجنب الخطاب الانفعالي، وعدم تقديم السبق على الدقة، والامتناع عن التنصُّل الشكلي من المسؤولية بعبارات مثل “تداول ناشطون”، والشجاعة في إعلان التصحيح فور وقوع الخطأ. المؤسسة الإعلامية: إصدار أدلة أخلاقية واضحة، وإنشاء وحدات متخصصة لتدقيق الحقائق، وتقديم المعيار المهني والعمق على مطاردة الترند والعناوين العاجلة، مع الحفاظ على استقلالها بعيداً عن الاستقطاب والضغوط. المواطن: وهو الركن الثالث بحكم قربه من موقع الأحداث فيما يُعرف بصحافة المواطن. وعليه أن يتعامل بتفكير نقدي مع ما يصله، ولا ينخدع بالعناوين الصادمة المصممة لجلب الإعجابات، ويتوقف عن إعادة مشاركة أي رسالة أو مقطع أو صورة غير موثوقة قبل التثبت من أقرب مصدر موثوق. فالامتناع الشخصي عن التداول هو الخطوة الأولى لحصار الشائعة في مهدها، وتجنّب تبعات التضليل من فقدان الثقة والمساءلة القانونية والأخلاقية. وحماية الفضاء العام من التضليل الرقمي مسؤولية جماعية تتصل مباشرة بأمن المجتمع واستقراره. وهي تقتضي تحويل الوعي الرقمي والانضباط المهني إلى سلوك يومي مستدام، حتى لا تتحول الهزات الافتراضية، بلمسة شاشة، إلى فواجع على الأرض. The post لماذا نصدق الشائعة أكثر من الحقيقة ! appeared first on Syria Direct.
#سوريا