نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
رياضة23‏/9‏/2026، 1:01:17 م2

«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة».. حكاية الخوف الذي حاصر أحلام حلب

دمشق-سانا كم من الوقت يحتاج الخوف كي يتحول إلى أسلوب حياة؟، في رواية «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، لا تتغير حلب دفعة واحدة، بل تتبدل ملامحها تدريجياً تحت وطأة القمع والقيود التي فرضها النظام البائد، وتتآكل أحلام أبنائها وتتقلص مساحة الاختيار أمامهم، حتى يصبح الخوف جزءاً من تف

دمشق-سانا كم من الوقت يحتاج الخوف كي يتحول إلى أسلوب حياة؟، في رواية «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، لا تتغير حلب دفعة واحدة، بل تتبدل ملامحها تدريجياً تحت وطأة القمع والقيود التي فرضها النظام البائد، وتتآكل أحلام أبنائها وتتقلص مساحة الاختيار أمامهم، حتى يصبح الخوف جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. بهذا العمل، تفتتح سانا الثقافية زاوية روايات الحرية، التي تقرأ أعمالاً سورية وعربية رصدت مقدمات الثورة السورية وتحولاتها، وكشفت آثار الاستبداد، وانحازت إلى حق السوريين في الحرية والكرامة. يختار الروائي السوري خالد خليفة عائلة حلبية ليروي من خلالها ما فعله استبداد النظام البائد بالبلاد والناس، يتتبع أثره في البيت والعمل والحب والموسيقا، ويضع القارئ أمام سؤال بسيط وقاسٍ، كيف يحافظ الإنسان على نفسه حين تطالبه السلطة بالصمت والطاعة؟. عائلة تختصر حكاية بلد صدرت الرواية عن دار العين عام 2013 في 260 صفحة، وفازت في العام نفسه بجائزة نجيب محفوظ للأدب، ثم بلغت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2014. تبدأ الحكاية بموت الأم، فتفتح وفاتها باب الذاكرة أمام ابنها الراوي، ومن خلال ما يستعيده، نتعرف إلى أسرة هجرها الأب وسافر إلى الولايات المتحدة مع امرأة أجنبية تكبره بثلاثة عقود، تاركاً زوجته وأبناءه في مدينة تتغير تحت سطوة الأجهزة الأمنية. ومن لحظة الموت، يعود السرد إلى طفولة الشخصيات وشبابها وهزائمها، وتكشف كل عودة طبقة جديدة من تاريخ الأسرة وحلب، هكذا تصبح الذاكرة مقاومة لرواية رسمية اختزلت حياة السوريين في الخطب والانتصارات الوهمية وصور الديكتاتور. ويتقاطع موت الأم مع موت الديكتاتور حافظ الأسد، والذي يوقف رحيله البلاد، فيما يمر رحيل امرأة حملت خراب عائلتها بصمت كأنه شأن هامشي، تكشف المفارقة طبيعة نظام مستبد جعل حياة الحاكم هي التاريخ، ودفع حيوات الناس إلى هوامشه. وُلد الراوي عام 1963، ويظل من دون اسم، يراقب حياة أسرته أكثر مما يشارك فيها، وتعكس هامشيته حال مواطن تعلّم خفض صوته وتوقعاته كي ينجو. يسلك أفراد الأسرة طرقاً مختلفة، تقترب سوسن من السلطة، وتكتب التقارير عن زميلاتها، ويبحث شقيقها رشيد عن الخلاص في الموسيقا، ثم يذهب إلى العراق، أما الخال نزار، فيتمسك بحقه في الحب والموسيقا. هذه الطرق لا تمنح أصحابها خلاصاً حقيقياً، فالتقرب من السلطة يحول الضحية إلى شريك في القمع، ورشيد يجد نفسه استبدل طاعة بأخرى، أما البقية الذين لاذوا بالصمت، فإنهم سيحمون أجسادهم مؤقتاً، ولكنهم سيتركون أرواحهم مثقلة بالخوف. حلب.. مدينة تعيش حياة موازية من العائلة تتسع العدسة لتشمل حلب بأحيائها وحقولها ومقاهيها ودور السينما ومحطة القطار، ومع اتساع الفقر والعشوائيات والشعارات، تفقد المدينة ملامحها، وتغدو الشخصية الكبرى التي تجمع مصير العائلة، والمكان الذي يعود إليه أبناؤها بعد كل هزيمة. ويكرر الراوي تعبير الحياة الموازية لوصف محاولة الناس حماية جزء من ذواتهم بعيداً عن النظام البائد، يعيشون في البلد من دون مشاركة حقيقية في شؤونه، ويخفون آراءهم ورغباتهم، ويتصرفون كما لو أن المخبرين يسكنون الأشجار، عندها لا يعود القمع اعتقالاً أو تقريراً أمنياً فقط، فهو ينتقل إلى داخل الإنسان، فيراقب نفسه قبل أن تراقبه الأجهزة. الخوف والعار إلى جانب الخوف، تضع الرواية العار في قلب حياة الشخصيات، تخجل الأم من ابنتها سعاد، وتحاول سوسن محو ذكرى التقارير التي ألحقت الأذى بزميلاتها. ويتجسد المعنى بقوة في حكاية المعلمة هبة، حين يجرّدها موالون للنظام البائد من ملابسها في الشارع، عقاباً على رفضها إظهار الولاء للحزب والقائد، فيما يخفض المارة رؤوسهم، ولا يلتصق العار هنا بالمرأة المعتدى عليها، بقدر ما يقع على من أهانها. ويحمل عنوان الرواية مفارقة سوداء، فالمدينة التي لا سكاكين في مطابخها ليست خالية من العنف، فهو حاضر في الكلام والتربية والوشاية والذاكرة، وتكمن أشد أدواته فتكاً في جعل الإنسان عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أو الآخرين. الثورة الكامنة تحت السطح بدأ خالد خليفة كتابة الرواية عام 2007 وأنجزها عام 2013، فيما تتوقف أحداثها قبل الثورة السورية، ومع ذلك، تحضر الثورة كاحتمال يتشكل تحت السطح، وتبدو ثمرة عقود من الخوف وانسداد الأفق وتحطيم المجال العام. الرواية في عيون النقاد رأى الكاتب هيثم حسين أن الرواية تؤرخ لتحول حلب منذ عام 1963، واعتبر أن العار مفتاح من مفاتيح العمل، بعدما قلبت سلطة النظام البائد القيم حتى صار تدمير البلد إنجازاً، وتجريم الناس حماية للدولة، وصمت المجتمع سبيلاً للسلامة. وكتبت الناقدة جنيفر سينيور في صحيفة نيويورك تايمز أن الرواية تعتمد المشاهد المتفرقة والأجواء أكثر من اعتمادها حدثاً مركزياً، وتمنح القارئ صورة عن مقدار الخوف واليأس اللذين يدفعان مدينة إلى الثورة، وأشادت بقدرة خليفة على استحضار روائح حلب وأصواتها ورعبها، وسجلت في المقابل أن السرد يتشعب أحياناً، ويصبح بطيئاً وصعب المتابعة. أما الكاتب فايز علام، فرأى أن موت الأم يشكل نقطة انطلاق الفصول، ومنها تتفرع ذكريات الأسرة قبل أن تعود إلى اللحظة نفسها، وعدّ هذه البنية من عناصر غنى الرواية، مع ملاحظة أن تكرار الحديث عن الاستبداد ومصادرة الحريات كان يمكن اختصاره، وترك القارئ يصل إلى دلالاته من خلال الأحداث. تكشف هذه الآراء قوة الرواية ومأزقها معاً، فهي تنجح في بناء عالم إنساني واسع ومؤلم، وقد تثقل على القارئ حين تكرر رسالتها أو تتعدد مسارات شخصياتها. لهذا تُقرأ لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة كشهادة على الخراب الذي سبق الثورة، وتنحاز الرواية إلى الحرية عبر دفاعها عن الذاكرة والاختلاف وحق الإنسان في أن يكون نفسه، فيغدو سرد ما حدث محاولة لإنقاذ الضحايا من موت ثان في النسيان. الكاتب في سطور خالد خليفة (1964-2023) روائي وكاتب سيناريو سوري، ولد في أورم الصغرى قرب حلب، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة حلب عام 1988، وكرّس أدبه لتفكيك الاستبداد واستعادة ذاكرة السوريين، مقدماً أعمالاً بارزة منها مديح الكراهية والموت عمل شاق. اعتقله النظام البائد عام 2012 عقب مشاركته في جنازة صديقه الناشط المدني والموسيقي ربيع غزي، ثم أفرج عنه بعدما كُسرت يده، وتُرجمت رواياته إلى أكثر من عشرين لغة، وفازت لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة بجائزة نجيب محفوظ، وظل حتى رحيله في دمشق صوتاً أدبياً مدافعاً عن الحرية وكرامة الإنسان.
#سوريا#رياضة