
اقتصاد11/9/2026، 7:52:56 ص2
طعام الشارع السوري.. بروتين الهوية وكربوهيدرات البقاء
تغيّرت الفلافل والشاورما في الفضاء العام كثيراً خلال العقد السوري الأخير. ويرتبط تغيُّر الوجبتين بانهيار الطبقة الوسطى والشتات السوري، وما رافق الظاهرتين من استدخال لطرق التمثيل الحديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسط فقر هائل انحدر إلى مستوى التغذية للبقاء البيولوجي، وثراء يعيش
تغيّرت الفلافل والشاورما في الفضاء العام كثيراً خلال العقد السوري الأخير. ويرتبط تغيُّر الوجبتين بانهيار الطبقة الوسطى والشتات السوري، وما رافق الظاهرتين من استدخال لطرق التمثيل الحديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسط فقر هائل انحدر إلى مستوى التغذية للبقاء البيولوجي، وثراء يعيش داخل مساحات توفّر العزلة المكانية والسلع الفاخرة. بسبب الحروب، فضلاً عن الأزمات المحليّة والعالميّة، خضع المطبخ السوري خلال العقد الفائت إلى جملة تغيرات كبيرة، بدّلت الكثير من العادات الغذائية. لا تبدأ تغيرات الطعام بانعدام الأمن الغذائي الحاد لأكثر من سبعة ملايين شخص في سوريا، ولا تنتهي بـ”تقليص حصص الطعام، أو الاعتماد على وجبات أقل من حيث القيمة الغذائيّة، أو تفويت الوجبات بالكامل” وفق تقارير برنامج الأغذية العالمي. وكلّ ذلك في ظِل عجز 90 بالمائة من السكان عن شراء السلع الأساسية، واعتماد ثلاثة أرباعهم على شكل من أشكال المساعدات الإنسانية. لعلّ الأرقام الأُمميّة السابقة هي مصدر التوسع والاستسهال في تقدير انخفاض نسبة الطبقة الوسطى من 60 بالمئة قبل الثورة إلى أقل من 10 بالمئة مؤخّراً. لكنها بكلّ ثقة تسمح بافتراض إعادة توزُّعٍ جرت خلال العقد لأصناف الأطعمة السورية بين الطبقات، بحيث تحوّلت وجبة الشاورما إلى سلعة لمن يملكون دخلاً من الخارج عبر الحوالات أو التوظيف، وماركة مسجّلة للسوريين في المحيط الإقليمي. بينما انزاحت الفلافل من كونها وجبة للفقراء إلى كونها وجبة للطبقة الوسطى، التي يجب التسليم باختفاء أمانها الاقتصادي السابق، لكن من دون التسليم باختفاء عاداتها الاستهلاكيّة وسلوكياتها وقيمها ونمط حياتها وثقافتها ومعارفها وشبكات علاقاتها فجأة. انتشرت الفلافل في الأسواق والحواري والاستراحات السورية كوجبة يمكن أن تؤكل أثناء المشي، رخيصة جداً، وتوفّر الحدّ الأدنى من مكونات المطبخ السوري، المتمثّلة في الكربوهيدرات والبروتين النباتي، فضلاً عن الألياف والدهون. لكن الفلافل تُصنَع بتركيب يُخلّ بتوازن المكونات المتوفرة في طبخة منزلية بسيطة مثل المجدرة: كربوهيدرات أكثر في الحمص والخبز، بروتين نباتي أقل في الحمص، دهون أكثر ومهدرجة في زيت القلي، ألياف وعناصر متنوعة في الخضروات المضافة، تخفّف من اختزال سندويش الفلافل إلى كبسولة هدفها مجرد امتلاء المعدة. يمكن تتبّع انزياح الفلافل في الطريقة الجديدة التي تظهر بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يعمل أصحاب المطاعم بمساعدة منتجي المقاطع المرئية، على إخراج الفلافل كوجبة مقبولة بين مستهلكين يملكون معايير متطلّبة، وعادات استهلاكية مميّزة، وتمثيلاً بصرياً خاصّاً. وهذا ما تتجاوب معه العديد من أشكال الدعاية التي تحظى بها الفلافل في مرئيات وسائل التواصل السورية، مثل الإفراط في الإضافات الثانوية لمكوّناتها الرئيسية، والمبالغة في أساليب التقديم للزبائن في المطعم، والتغليف للزبون الماشي، ومظاهر النظافة عموماً، في محاولة لتكريس الوجبة رمزياً، ورفعها إلى مستوى طبقي لائق بمستهلكين من الطبقة الوسطى، ما زالوا يحاولون الحفاظ على مسافة تفصلهم عن الفقر، من دون أن يسلّموا أنهم انزلقوا إلى مستوى الفلافل ولم تصعد الفلافل إلى مستواهم، لأن الأخيرة ارتفعت من حدود الربع دولار قبل الثورة، إلى أكثر من نصف دولار فقط، في حين انهارت دخولهم أو تكاد. للشاورما حكاية أخرى، فوجبة الشارع التي كانت تُؤمِّن كمية مناسبة من البروتين الحيواني للطبقة الوسطى أثناء العمل أو في سيران نهاية اليوم، وبسعر معقول قياساً لدخولهم، اجتمعت ظروف مختلفة في محاولة إدراجها الوسواسي ضمن عناصر الهوية السوريّة، لكن انهيار الأمن الغذائي للسوريين، جعلها تبدو على حقيقتها أكثر خلال العقد السوري المُحاصر بالفقر، أي وجبة للاستهلاك التفاخري، وهذا ما توزّع على مرئيّات أكل الشاورما، التي ساهم بصناعتها الكثيرون، من ضمنهم بشار الأسد قبل سقوطه، ومؤثّرون يرتبطون بشبكة أمان خارجية، لجهة العمل أو لجهة اقتصاد الحوالات، وهو ما يبدو مستمراً حتى الآن. أما في الخارج الإقليمي، فقد تحوّلت الشاورما إلى أيقونة لريادة السوريين في العمل الحر، وذلك ما ظهر في مصر خاصّة، التي شحن إعلامها المُوجَّه والعربي تلك الوجبة وانتشارها وازدهار مطاعمها، للتدليل على نجاح اللاجئ وتوبيخ العاطلين عن العمل في البلد المستضيف. وبدرجة أقل في تركيا، حيث نبتت الشاورما في البيئات السورية المُقفِلة على نفسها، فزجّها السوريون في منافسة من طرف واحد مع الشاورما التركية، وشكّلت سوقاً لتأسيس أعمال عابرة للحدود، جزء منها بقي في دمشق وحلب للحفاظ على المواقع الخلفية، وجزء استُثمر في سوق لم يستطع اللاجئون السوريون ملأها مباشرة لقلّة خبرتهم، وحداثة تعاملهم مع الطعام كفعل استعادة للهوية أو هضمها. وفي الخليج، حيث القدرة الشرائية المستقرّة، يغذّي إنتاج الشاورما وبيعها التفاعل مع الهوية، وجزءاً غير يسير من اقتصاد الحوالات الذي يموّل مستهلكي الشاورما في الداخل السوري. في شوارع الفاتح باسطنبول، أو مدينة السادس من أكتوبر في ضواحي القاهرة، يتجسّد أحد عناصر الهوية السورية الجديدة عبر طوابير المستهلكين المصطفَّة أمام أسياخ شاورما عملاقة، رُصّت فيها مئات الكيلوغرامات من البروتين الحيواني، لتشكّل في دورانها وطقطقة الدهون المتفحمة فيها معالم أوطان مُصغّرة، يعيد فيها السوريون إنتاج وجودهم، حيث يستهلكون مع اللحم المتبّل شعوراً بالوفرة والقدرة على النجاة، وإحساساً بقدرتهم على تأسيس دورة اقتصادية مغلقة ومتكيّفة. على الجانب الآخر من سوريا، في شوارع دمشق، تصطفُّ طوابير مشابهة أمام مطاعم الفلافل المضاءة بحرص وتأنّق، بانتظار بروتين نباتي مقلي بزيوت مهدرجة، لكنه محاطٌ بعناية استعراضيّة واضحة، تعوّض المستهلكين -عبر المشهد- ما فاتهم أثناء انزلاقهم القسري نحو قاع الهرم الغذائي، وتحاول إقفال باب المسرح الاستهلاكي على المتشبثين بالعشرة بالمائة، بينما يأكل التسعون الباقون لتسكين الجوع فحسب. The post طعام الشارع السوري.. بروتين الهوية وكربوهيدرات البقاء appeared first on Syria Direct.
#سوريا#اقتصاد
