نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
اقتصادعاجل24‏/9‏/2026، 9:50:10 ص2

سوريا تطوي إرث الأسلحة الكيميائية.. شراكة دولية للتدمير وتأسيس لمسار ‏المساءلة

نيويورك-دمشق-سانا‏ يرسم ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا اليوم ملامح تحول نوعي في نهج دمشق ‏تجاه منظومة العمل متعدد الأطراف، بعدما انتقلت من إرث ثقيل خلفه النظام البائد، ‏ظل لسنوات موضع ضغط دولي، إلى مرحلة جديدة من التعاون والمبادرة والوفاء ‏بالالتزامات الدولية، في مسار يحوّل هذا

نيويورك-دمشق-سانا‏ يرسم ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا اليوم ملامح تحول نوعي في نهج دمشق ‏تجاه منظومة العمل متعدد الأطراف، بعدما انتقلت من إرث ثقيل خلفه النظام البائد، ‏ظل لسنوات موضع ضغط دولي، إلى مرحلة جديدة من التعاون والمبادرة والوفاء ‏بالالتزامات الدولية، في مسار يحوّل هذا الملف من مصدر للخطر إلى نموذج ‏للتعاون الدولي المسؤول.‏ ويضع الرئيس أحمد الشرع هذا التحول ضمن مسار أوسع للانفتاح على منظومة ‏العمل الدولي، مؤكداً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن دمشق تعمل على طي ‏الإرث الكيميائي الذي أثقل اسم سوريا لعقد كامل، عبر التعاون مع سبع دول وتدمير ‏ما تم العثور عليه من ذخائر، بالتوازي مع استعادة حقوق سوريا كاملة في منظمة ‏حظر الأسلحة الكيميائية.‏ ويأتي هذا المسار بعد سنوات كان فيها الملف الكيميائي مصدر ضغط دولي على ‏سوريا، فيما تحولت دمشق منذ التحرير إلى طرف فاعل، بالتعاون مع منظمة حظر ‏الأسلحة الكيميائية وشركاء دوليين، في البحث عن مخلفات البرنامج وتدميرها والوفاء ‏بالالتزامات وملاحقة المسؤولين عن هذا الإرث.‏ وتجسد عملية تدمير المواد التي عثر عليها في سوريا، ضمن إجراءات التحقق التي ‏تتبعها المنظمة، جانباً عملياً من هذا التحول الهادف إلى طي الإرث الكيميائي عبر ‏العمل الجماعي.‏ الرئيس الشرع: العمل الجماعي أمانة ‏ وقال الرئيس الشرع في كلمة أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم ‏المتحدة في نيويورك أمس الأربعاء: “في الملف الذي أثقل اسم سوريا عقداً كاملاً، ‏أطلقنا مع سبع دول فريق “أنفاس الحرية” لطيّ الإرث الكيميائي، ودُمرت اثنتان ‏وأربعون قنبلة كيميائية، واستعدنا حقوقنا كاملة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ‏ونعمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأقصى درجات الشفافية، إيماناً منا بأن ‏العمل الجماعي أمانة”.‏ ويضيف هذا التصريح بعداً سياسياً إلى الخطوات العملية التي قطعتها سوريا خلال ‏الأشهر الماضية، إذ لم يعد التعامل مع الملف الكيميائي يقتصر على الاستجابة ‏للالتزامات الدولية، بل أصبح جزءاً من مسار تعاون تقوده دمشق مع شركاء دوليين ‏لإنهاء إرث البرنامج الكيميائي للنظام البائد.‏ بداية عملية التدمير في 3 أيلول الجاري، أعلن مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال ‏جلسة لمجلس الأمن الدولي بدء عملية تدمير بعض المواد الكيميائية التي عثر عليها ‏في سوريا، ضمن إجراءات التحقق التي تتبعها الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة ‏الكيميائية، معتبراً أن العملية تمثل لحظة تاريخية، كونها الأولى منذ التحرير، ‏والأولى لتدمير ذخائر كيميائية على الأراضي السورية منذ عام 2014.‏ وأكد علبي أن التعاون بين سوريا ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية يتجاوز التفاصيل ‏الفنية، ليعكس تحولاً سياسياً عميقاً في نهج التعاطي السوري مع منظومة العمل ‏متعدد الأطراف، موضحاً أن سوريا، الواقعة في قلب منطقة تموج بالنزاعات، تختار ‏العودة إلى المجتمع الدولي من بوابة المسؤولية والوفاء بالالتزامات.‏ إرث كيميائي حاول النظام البائد إخفاءه وتكتسب العملية الحالية أهميتها من طبيعة الإرث الذي تتعامل معه، إذ لم يقتصر ‏البرنامج الكيميائي للنظام البائد على المواد التي أعلن عنها سابقاً، حيث كشفت ‏عمليات البحث والتحقيق التي أجرتها الفرق السورية، بالتعاون مع منظمة الحظر، ‏عن ذخائر ومواد مرتبطة بالبرنامج لم تكن مدرجة في الإعلان الأولي.‏ وفي أيار الماضي، أعلنت بعثة سوريا لدى المنظمة العثور على 54 قنبلة جوية ‏مماثلة لتلك المستخدمة في هجمات النظام البائد في اللطامنة عام 2017، و25 قنبلة ‏أرض-أرض مماثلة لتلك المستخدمة في الغوطة الشرقية عام 2013، إضافة إلى ‏مواد تدخل في تصنيع السارين ومعدات للمزج والتخزين، موضحة أن المواد والذخائر ‏نقلت إلى مرافق خاصة تمهيداً لتدميرها بعد إخضاعها لإجراءات التحقق.‏ وتكشف هذه المعطيات تحولاً جوهرياً، ففي عام 2013، وتحت ضغط دولي عقب ‏الهجوم الكيميائي على الغوطتين، انضمت سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة ‏الكيميائية، وبدأت عملية دولية للتخلص من مخزونها الكيميائي المعلن، بينما ‏أظهرت الاكتشافات اللاحقة أن إرث البرنامج لم ينته بانتهاء تلك العملية، وأن مواد ‏وذخائر ومنشآت بقيت خارج نطاق الإعلان السابق.‏ وكانت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أعلنت في 2016 إتمام تدمير جميع المواد ‏الكيميائية التي أعلن عنها النظام البائد آنذاك، فيما واصلت المنظمة خلال السنوات ‏التالية التحقيق في المعلومات المتعلقة ببرنامج النظام البائد وهجماته الكيميائية.‏ أما اليوم، فتجري عملية التعامل مع المخلفات التي كشف عنها حديثاً داخل سوريا، ‏بقيادة الفرق الوطنية وبوجود فرق التفتيش التابعة للمنظمة، في تحول يعكس انتقال ‏دمشق من تلقي الإجراءات الدولية إلى المشاركة الفاعلة في تنفيذها.‏ من الاستجابة للطلبات إلى قيادة الجهود ولم يبدأ هذا التحول مع عملية التدمير الحالية، بل سبقها مسار متدرج بدأ منذ ‏التحرير في 8 كانون الأول 2024، عندما شكلت سوريا مجموعة عمل وطنية عام ‌‏2025، تضم الوزارات والجهات المعنية، لتنسيق البحث والتحقيق والتعامل مع ‏مخلفات البرنامج الكيميائي وملاحقة المتورطين فيه.‏ وسهلت الفرق الوطنية، منذ التحرير، زيارات فرق التفتيش التابعة لمنظمة حظر ‏الأسلحة الكيميائية إلى 32 موقعاً مشتبهاً به، وقدمت تقارير عن 14 موقعاً إضافياً، ‏فيما أسهمت المعلومات التي جُمعت والتحقيقات التي أجريت في تحديد مواقع ومواد ‏جديدة مرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام البائد.‏ وفي آذار الماضي، اتخذ التعاون بعداً دولياً أوسع مع إطلاق فريق “أنفاس الحرية”، ‏الذي تقوده سوريا بمشاركة الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا وقطر ‏وكندا، بهدف القضاء على أي بقايا محتملة من البرنامج الكيميائي.‏ ومن دلالة هذا التحول أن سوريا لم تعد تتعامل مع الملف باعتباره التزاماً فنياً ‏منفصلاً، وإنما بوصفه مسؤولية وطنية ودولية مشتركة، وهو ما تجسد في استعادة ‏حقوقها وامتيازاتها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تموز الماضي، بقرار ‏اعتمده المجلس التنفيذي بالتوافق وبرعاية 66 دولة.‏ وأشادت الدول الأعضاء في مجلس الأمن خلال جلسته مطلع الشهر الجاري بالتعاون ‏البناء بين الحكومة السورية والأمانة الفنية للمنظمة، فيما أكدت وكيلة الأمين العام ‏للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو أن الجهود ‏الجماعية بدأت تحقق نتائج ملموسة لمعالجة ما تبقى من الأسلحة الكيميائية.‏ التدمير لا يلغي المساءلة وفي موازاة التخلص من مخلفات الأسلحة الكيميائية، تضع سوريا المساءلة في صلب ‏تعاملها مع إرث النظام البائد، انطلاقاً من أن إزالة السلاح لا تعني إسقاط المسؤولية ‏عن مستخدميه، إذ أكد علبي أن موقف سوريا من العدالة والمساءلة ثابت، مشيراً إلى ‏العمل لعقد أولى المحاكمات في التاريخ لمستخدمي الأسلحة الكيميائية، بما يكرس ‏مكافحة الإفلات من العقاب ومنع تكرار الجرائم.‏ ويتكامل ذلك مع توقيف 18 شخصاً على صلة بالبرنامج الكيميائي للنظام البائد، ‏بينهم ضباط رفيعو المستوى وخبراء سابقون في مركز البحوث العلمية وضباط من ‏الجهاز الأمني المشرف على البرنامج. ‏ وبذلك، لا يقتصر المسار على إزالة المخلفات، بل يجمع بين التخلص من السلاح، ‏وكشف الإرث الكيميائي، ومحاسبة المسؤولين، وضمان عدم التكرار.‏ حماية تتجاوز الحدود السورية ولا تقتصر أهمية العملية على التخلص من مخلفات قد تشكل خطراً على السوريين، ‏إذ أكد علبي أن تأمين المواقع وتحديد الذخائر يحد من مخاطر وصولها إلى أيد ‏خاطئة، ويحمي السكان والبيئة والأمن الوطني والإقليمي والدولي.‏ ‏ وحذر في المقابل من أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة أعاقت عمليات البحث ‏والتدمير وأوقفتها في بعض المراحل، كما عرضت الطواقم الوطنية وفرق المنظمة ‏والمواقع التي يجري تأمينها للخطر، مشدداً على أن استمرار هذا المسار يتطلب توفير ‏الظروف الآمنة للطواقم والمواقع، لأن أي تهديد للعمل لا ينعكس على سوريا وحدها، ‏بل يوسع دائرة المخاطر المرتبطة بالمواد الكيميائية.‏ ومن إرث كيميائي كان عنواناً للضغط الدولي، إلى مسار تقوده سوريا بالتعاون مع ‏شركاء دوليين، يتحول الملف إلى اختبار لقدرة العمل الجماعي على إزالة المخاطر، ‏ومحاسبة المسؤولين، ومنع تكرار الجريمة.‏‏ ‏
#سوريا#اقتصاد