نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
رياضةعاجل17‏/9‏/2026، 3:05:20 م5

حين تضيق طرق النفط.. كيف تحمي السعودية اقتصادها من تداعيات الحرب؟

دمشق/الرياض-سانا تختبر تداعيات الحرب في المنطقة قدرة السعودية على إبقاء النفط متدفقاً إلى الأسواق، بعدما أصابت الاضطرابات مسارات التصدير نفسها، من خط “شرق–غرب” إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر. فبعد أشهر من الاعتماد على خط “شرق–غرب” لنقل الخام من حقول المملكة ا

دمشق/الرياض-سانا تختبر تداعيات الحرب في المنطقة قدرة السعودية على إبقاء النفط متدفقاً إلى الأسواق، بعدما أصابت الاضطرابات مسارات التصدير نفسها، من خط “شرق–غرب” إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر. فبعد أشهر من الاعتماد على خط “شرق–غرب” لنقل الخام من حقول المملكة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وجدت الرياض نفسها أمام اختبار جديد بعدما أدى استهداف الخط بمسيّرات قادمة من العراق إلى توقفه مؤقتاً، بالتزامن مع استمرار المخاطر التي تحيط بالملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. ويكشف التطور الأخير حدود استراتيجية إعادة توجيه الصادرات التي ساعدت السعودية على احتواء جانب كبير من صدمة الحرب حتى الآن، لكنه في الوقت نفسه يبرز عناصر القوة التي يمكن للمملكة استخدامها لامتصاص الاضطراب، في مقدمتها بنية تحتية نفطية واسعة، وقدرة “أرامكو” على إعادة توزيع الشحنات، ومخزونات وأصول مالية تمنح الحكومة هامشاً للتحرك إذا طال أمد الأزمة. من “شرق–غرب” إلى هرمز.. تبديل المسار تحت الضغط كان خط “شرق–غرب” الممتد نحو 1200 كيلومتر عبر شبه الجزيرة العربية، أحد أهم صمامات الأمان للسعودية منذ تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتبلغ طاقته التصميمية نحو 7 ملايين برميل يومياً، فيما يمكنه نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام إلى ميناء ينبع للتصدير، وفق صندوق النقد الدولي. لكن استهداف الخط الأسبوع الماضي دفع السعودية إلى وقف تشغيله احترازياً، ما أعاد جزءاً من صادراتها إلى الساحل الشرقي ومضيق هرمز، وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، في مقابلة مع شبكة “سي إن بي سي” الثلاثاء: إن الضخ عبر الخط قد يستأنف خلال أيام، فيما أشارت مصادر تحدثت إليها “رويترز” إلى تقديرات أكثر تحفظاً تصل إلى خمسة أو ستة أسابيع، مع احتمال استئناف الضخ جزئياً قبل اكتمال الإصلاحات. وبينما تنتظر المملكة عودة خط “شرق–غرب”، بدأت “أرامكو” بالفعل في زيادة الاعتماد على مسارات أخرى، بينما تشير بيانات تتبع الناقلات إلى ارتفاع التحميل من الساحل الشرقي، فيما أظهرت بيانات نقلتها “بلومبرغ” زيادة صادرات السعودية عبر هرمز خلال الأيام الأولى من أيلول الجاري. ووفق الخبراء فإن التحول نحو الخليج العربي ليس خياراً استراتيجياً جديداً بقدر ما هو إعادة ترتيب سريعة لخريطة التصدير وفق ما تسمح به الظروف الأمنية في كل مسار. مخزون النفط.. مهلة لشراء الوقت وتملك السعودية في هذه المعادلة عاملاً بالغ الأهمية وهو الوقت، فوفق “سيتي غروب” الأمريكية، التي نقلت “بلومبرغ” تقديراتها، بلغت مخزونات النفط في موانئ المملكة على البحر الأحمر نحو 14 مليون برميل، إضافة إلى كميات مخزنة في موانئ مصرية، ما يوفر هامشاً لتلبية الالتزامات القريبة إلى حين استعادة خط الأنابيب عمله. وتكتسب هذه المخزونات أهمية أكبر لأن خط “شرق–غرب” لم يكن مجرد قناة تصدير عادية، بل أصبح خلال الأشهر الماضية الأداة الرئيسية التي مكّنت السعودية من الالتفاف على اضطرابات هرمز، ووفق “رويترز”، كان الخط ينقل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5% من الإمدادات النفطية العالمية. لذلك، ووفق التقديرات فإن سرعة إصلاحه لا ترتبط بالسعودية وحدها، بل بسوق النفط العالمية أيضاً، وخصوصاً بعدما دفعت اضطرابات الإمدادات خام برنت إلى نحو 109 دولارات للبرميل. الخطر لا يتوقف عند خط الأنابيب المشكلة أن إعادة تشغيل “شرق–غرب” لا تعني انتهاء المخاطر، فالمسار الغربي نفسه يواجه تحدياً أمنياً مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب من قبل ميليشيا الحوثي في اليمن، بينما يظل مضيق هرمز مساراً شديد الحساسية. وفي أحدث التطورات، أفادت وسائل الإعلام باستمرار اعتداءات ميليشيا الحوثيين، مع إعلانها استهداف قاعدة جوية في خميس مشيط ومنشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في ‌ينبع الأربعاء. وهنا تظهر المفارقة في وضع السعودية، فالمسار البديل عن هرمز يواجه مخاطر في البحر الأحمر، والعودة إلى هرمز تعني التعرض لمخاطر المضيق نفسه. ولهذا تبدو مرونة “أرامكو” في إعادة توجيه الشحنات بين مسارات التصدير عاملاً مهماً في احتواء الصدمة، إذ عرضت الشركة شحنات من خاماتها للتحميل قبالة ميناء صحار العماني، خارج مضيق هرمز، بالتوازي مع ارتفاع تحميلاتها من محطتي رأس تنورة والجعيمة على الساحل الشرقي، وفقاً لـ”رويترز”. ارتفاع النفط.. وسادة مالية في وجه نقص الكميات إلى جانب البنية التحتية، تستفيد السعودية من عامل آخر يعمل في الاتجاه المعاكس للاضطراب وهو ارتفاع أسعار النفط. فصندوق النقد الدولي خلص في تقييمه الصادر في تموز إلى أن ارتفاع أسعار الخام يمكن أن يعوض أكثر من تراجع كميات الصادرات، مشيراً إلى أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على الصمود بفضل قوة الأساسيات وتنوع البنية النفطية واللوجستية كما توقع الصندوق نمو الاقتصاد غير النفطي 2.6% في 2026 ضمن السيناريو الأساسي. وبحسب تحليلات اقتصادية بينها ” بلومبرغ” فإن تراجع الكميات المصدرة لا يرجع بالضرورة، وبالنسبة نفسها، إلى تراجع الإيرادات الحكومية، طالما بقي ارتفاع السعر قادراً على تعويض جزء من فاقد الحجم، لكن المعادلة تنقلب إذا طال الاضطراب أو اتسع نطاقه، لأن ارتفاع الأسعار قد يتحول عندها من مكسب مالي إلى مصدر ضغط على الاقتصاد، عبر ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والواردات والتضخم. المال العام.. خط دفاع ثان هنا يأتي العامل الذي يختلف عن معظم الاقتصادات المعرضة لصدمات الطاقة وهو قدرة السعودية على استخدام ميزانيتها وأصولها المالية لشراء مزيد من الوقت. ويشير صندوق النقد إلى أن انخفاض الدين نسبياً وضخامة الأصول الحكومية يمنحان الرياض مساحة للتعامل مع اضطرابات طويلة في التجارة والنفط، وفي سيناريو أكثر سوءاً، يفترض الصندوق استمرار تعطل هرمز وتراجع إنتاج النفط إلى متوسط 7.9 ملايين برميل يومياً في 2026، مقابل 9.1 ملايين في السيناريو الأساسي، وانخفاض صادرات الخام والمنتجات المكررة إلى 6.6 ملايين برميل يومياً. وفي هذه الحالة، يقدر الصندوق أن بإمكان الحكومة اللجوء إلى دعم مالي يعادل نحو 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026–2027، مع توجيه الجزء الأكبر منه في 2026، وتمويل العجز عبر إصدار الدين والسحب من الودائع الحكومية. ولا يعني ذلك أن تكلفة الحرب تختفي، بل إن لدى المملكة أدوات لتأجيل انتقال الصدمة من قطاع النفط إلى الاقتصاد غير النفطي، عبر إعادة ترتيب الإنفاق ودعم الشركات والسيولة، بدلاً من السماح بانتقال الاضطراب سريعاً إلى الاستهلاك والاستثمار. تواجه السعودية اختباراً يتجاوز توقف خط أنابيب واحد، إذ تتزامن المخاطر على مسارات التصدير بين الخليج والبحر الأحمر، وفي المقابل، تمنحها مرونة “أرامكو” والمخزونات والأصول المالية هامشاً لاحتواء الصدمة. ويبقى التحدي الأبرز في إبقاء أكثر من مسار مفتوحاً، وتجنب انتقال اضطراب التصدير إلى الإنتاج والاقتصاد الأوسع.
#سوريا#رياضة