نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
البوكمالعاجل12‏/9‏/2026، 8:40:49 ص3

بين الجفاف والتعدّيات، أزمة مياه تصيب درعا بالعطش

تعيش محافظة درعا جنوب سوريا منذ سنوات أزمة متصاعدة في تأمين مياه الشرب، بلغت ذروتها خلال صيف عام 2026. ورغم أن المحافظة تمتلك مصادر مائيّة طبيعيّة متنوّعة بين ينابيع سطحيّة وآبار جوفيّة، فإن تراكم عدة عوامل أدى إلى فجوة متزايدة بين احتياجات السكان والكميّات المتاحة فعلياً ما تسبب

تعيش محافظة درعا جنوب سوريا منذ سنوات أزمة متصاعدة في تأمين مياه الشرب، بلغت ذروتها خلال صيف عام 2026. ورغم أن المحافظة تمتلك مصادر مائيّة طبيعيّة متنوّعة بين ينابيع سطحيّة وآبار جوفيّة، فإن تراكم عدة عوامل أدى إلى فجوة متزايدة بين احتياجات السكان والكميّات المتاحة فعلياً ما تسبب بالعطش شبه الكامل في بعض المناطق لأشهر متتالية. ويرجح محللون أنّ أزمة المياه تعود إلى عدة أسباب: الجفاف وتراجع هطول الأمطار يرجع مسؤولو الموارد المائيّة في المحافظة جانباً كبيراً من الأزمة إلى تعاقب سنوات الجفاف؛ إذ سجّل الموسم المطري الأخير انخفاضاً بنسبة تقارب 70% عن المعدل السنوي المعتاد، وفق ما أوضحه مدير الموارد المائيّة في درعا. وقد انعكس هذا التراجع مباشرة على غزارة الينابيع والآبار، حيث جفّ بعضها بالكامل وتضاءلت طاقة أخرى بشكلٍ حاد. استجرار غير مشروع للمياه وحفر آبار عشوائيّة يُجمِع معظم المسؤولين والمصادر المحليّة على أن الانتشار الواسع للآبار العشوائيّة والمخالفة يمثّل السبب الأكبر لاستنزاف المخزون الجوفي. فقد أصدرت محافظة درعا بياناً رسمياً حذّرت فيه من “خطر متصاعد” يهدّد الأمن المائي، معتبرةً أن استمرار هذه الممارسات لم يعد مجرد مخالفة خدمية، بل استنزاف متسارع للأحواض المائية يهدّد قدرتها على التجدُّد. كما تسبَّب الاستجرار غير المشروع للمياه لأغراض الريّ الزراعي العشوائي، وفق مصادر رسمية، في هدر ما يقارب 60% من المياه المخصّصة أصلاً للشرب. وقد أضعفت سنوات الحرب والإهمال المتراكم شبكات ضخّ المياه في المحافظة، فيما زادت التعدّيات المباشرة على خطوط الضخّ الرئيسية من حدّة المشكلة، وأدّى إلى تضرُّر البنية التحتيّة، ما دفع السلطات المحلية إلى إطلاق حملات لإزالة هذه التعدّيات وضبط الاستجرار غير المشروع. غياب العدالة بين الأحياء وسوء توزيع المياه لا تقتصر الأزمة على شحّ المصدر المائي فحسب، بل يظهر في عدّة مناطق نمط متكرّر من التفاوت الحاد في توزيع المياه المتاحة. ففي بلدة نمر بريف درعا التي يبلغ عدد سكانها نحو 20 ألف نسمة، تضم البلدة تسعة آبار ارتوازية توصف بأنها قادرة عملياً على تغطية احتياجات السكان بالكامل، إلا أن بعض الأحياء تشهد وفرة زائدة تصل حدّ استخدام مياه الشرب لسقاية المزروعات، بينما تُحرم أحياء أخرى بالكامل من أي نقطة ماء. ويرجّح سكان محليون أن السبب يكمن في تعدّياتٍ على شبكة التوزيع وغياب الرقابة عليها، لا في نقصٍ فعلي بالمصدر. وينسحب هذا النمط على مناطق أخرى من المحافظة بأشكال مختلفة، ففي مدينة درعا، شكّلت التعدّيات على خطوط الضخّ الرئيسيّة أحد الأسباب المُعلِنة للأزمة، بمعنى أن كميات من المياه تُحوَّل أو تُسرق قبل وصولها بعدالة لعموم الأحياء. كما يستهلك الاستجرار غير المشروع للريّ الزراعي العشوائي نحو 60% من المياه المخصّصة أصلاً للشرب، وفق ما أعلنته جهات رسمية، وهو تحويل لمورد مخصّص لغرض إلى غرض آخر أكثر منه ندرةً حقيقية في المصدر. وفي قرى حوض اليرموك، يعتمد بعض السكان على نظام توزيع “بالدور” يُمنح المواطن نصف ساعة فقط من المياه كل 15 يوماً، وهو ما يعكس أيضاً خللاً في آلية التوزيع بقدر ما يعكس تراجع المصدر نفسه. هذه الأسباب أدت إلى أزمة مياه كبيرة يعيشها سكان مدن مختلفة في درعا تتفاوت معاناة الأهالي بحسب المنطقة، لكنّها تشترك في القسوة، ففي مدينة نوى غربي درعا، لم تصل المياه العامّة إلى بعض الأحياء منذ تسعة أشهر، بينما تصل لأحياء أخرى مرة كل شهر أو شهرين فقط. وفي بصرى الشام شرقي المحافظة، لا يتجاوز ما يحصل عليه السكان خمسة أمتار مكعّبة من المياه كل شهرين. أما في قرى حوض اليرموك، فيعتمد بعض السكان على نظام توزيع بالدور يمنح المواطن نصف ساعة فقط من المياه كل 15 يوماً. هذا الشحّ دفع الأهالي إلى الاعتماد شبه الكامل على صهاريج المياه المُكلِفة، حيث تراوحت الأسعار بين 70 و120 ألف ليرة سورية للصهريج الواحد، فيما قد تحتاج الأسرة الواحدة إلى ثلاثة أو أربعة صهاريج شهرياً. وفي بعض الأحياء بمدينة درعا وصل سعر المتر المكعّب من المياه إلى 50 ألف ليرة، ما يعني أن أسرة من خمسة أفراد قد تنفق نحو 600 ألف ليرة شهرياً لتأمين احتياجاتها الأساسية فقط، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات في ظلّ الأوضاع المعيشية الصعبة أصلاً. وقد اضطر بعض السكان، وفق ما نقلته تقارير محلية، إلى إنفاق نصف الراتب الشهري لشراء المياه بعد انقطاعها لأكثر من شهر. كما تفاقمت الأزمة زراعياً؛ إذ أدّى غياب الأمطار وجفاف الأراضي إلى نفوق عدد من المواشي في بعض القرى، ما زاد الضغط الاقتصادي على السكان الذين يعتمد كثير منهم على الزراعة وتربية المواشي كمصدر رزق أساسي. إجراءات المحافظة في درعا أمام تصاعد الأزمة، شكّلت محافظة درعا لجنة مشتركة من مديرية الموارد المائيّة ومؤسسة مياه الشرب لتقييم الوضع ووضع حلول عملية، وبدأت هذه اللجنة بالكشف على ينابيع رئيسية مثل “الساخنة الكبرى” و”الساخنة الصغرى”، وإغلاق الآبار المخالفة المحفورة في محيطها، مع التلويح بإغلاق الآبار الزراعية نهائياً إذا ثبت تأثيرها على مصادر مياه الشرب. واعتمدت المحافظة مسارين متوازيين: الأول إجراءات إسعافية عاجلة تشمل إغلاق الآبار المؤثرة مباشرة على الموارد المائية ومصادرة آليات الحفر المخالفة، والثاني إعداد خطة طويلة الأمد لضمان استدامة الموارد المائية وتنظيم استخدامها وفق أولويات واضحة، بحيث تُعطَى مياه الشرب والاستخدامات المنزلية الأولوية، مع توجيه النشاط الزراعي تدريجياً نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه. كما أطلقت المحافظة، بالتعاون مع المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، حملات واسعة لإزالة التعدّيات على خطوط الضخّ الرئيسيّة، بهدف وقف الاستجرار غير المشروع وإعادة توزيع المياه بعدالة أكبر على المواطنين. مبادرات أهلية ومحلية في ظلّ بطء استجابة الجهات الرسمية أحياناً لحجم الأزمة، أطلق سكان درعا في أواخر آب/ أغسطس مبادرة تبرعات محلية تحت عنوان “أبشري حوران”، بهدف تمويل تحسين الخدمات في المحافظة بالتعاون مع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها صيانة وتشغيل قطّاع مياه الشرب. كما وجّه وجهاء بعض البلدات، مثل بلدة السكرية التي تعاني انقطاعاً شبه متواصل منذ 13 عاماً، نداءات استغاثة مباشرة لمحافظ درعا والمنظمات الدولية لتوفير حلول عاجلة كحفر آبار جديدة تنهي الاعتماد الكامل على الصهاريج. وخلاصة القول فإن أزمة المياه في درعا تمثل حصيلة تراكمية لعوامل مناخية وبشرية وإدارية متشابكة: جفاف متتالٍ، استنزاف جوفي عشوائي، بنية تحتية متهالكة، وضعف في الرقابة على الاستخدام، ورغم الإجراءات التي بدأت المحافظة باتخاذها لضبط الوضع على المَدَيَين القريب والبعيد، لا يزال الحلّ الجذري مرهوناً بتوفر تمويل كافٍ لإعادة تأهيل الشبكات، وتطبيق صارم للقوانين المتعلقة بحفر الآبار، إضافة إلى تحسّن الظروف المناخية، في وقت يستمر فيه آلاف السكان بدفع أثمان باهظة، مادياً ومعيشياً، لتأمين أبسط حقوقهم في الحياة. The post بين الجفاف والتعدّيات، أزمة مياه تصيب درعا بالعطش appeared first on Syria Direct.
#سوريا#اقتصاد