نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
اقتصاد16‏/9‏/2026، 7:31:02 م2

بعد عقود في المهجر.. سوريون أصحاب قصص نجاح يعودون لتأسيس مشاريع في سوريا ‏

دمشق-سانا‏ غادروا سوريا في أعمار مختلفة، وبعضهم لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة، حملوا معهم أحلاماً بسيطة، الدراسة، ‏العمل، أو البحث عن فرصة تتيح لهم بناء مستقبل أفضل، لكن سنوات الاغتراب التي كان يفترض أن تكون قصيرة، ‏امتدت لدى بعضهم لعقود، فتحولت الرحلة من تجربة شخصية إلى مسيرة نجا

دمشق-سانا‏ غادروا سوريا في أعمار مختلفة، وبعضهم لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة، حملوا معهم أحلاماً بسيطة، الدراسة، ‏العمل، أو البحث عن فرصة تتيح لهم بناء مستقبل أفضل، لكن سنوات الاغتراب التي كان يفترض أن تكون قصيرة، ‏امتدت لدى بعضهم لعقود، فتحولت الرحلة من تجربة شخصية إلى مسيرة نجاح في مجالات التكنولوجيا والاتصالات ‏والهندسة والاستثمار والخدمات.‏ اليوم، وبعد سنوات طويلة قضوها في الولايات المتحدة وكندا، يعود هؤلاء السوريون، وبينهم رجال أعمال ومهندسون ‏ومستثمرون وأصحاب شركات، إلى بلدهم، لا كزائرين هذه المرة، وإنما كأصحاب خبرات ومشاريع وعلاقات مهنية، ‏يحملون رغبة في نقل ما تعلموه إلى وطنهم والمساهمة في مرحلة إعادة البناء.‏ من الاغتراب إلى نقل التكنولوجيا والخدمات التقت وكالة سانا عدداً منهم خلال مشاركتهم في اجتماع الطاولة المستديرة للوفد الاقتصادي الأمريكي بدمشق، ومنهم ‏عبد الحميد العاقل، الذي غادر سوريا إلى الولايات المتحدة عام 2000، وكان في السابعة عشرة من عمره، حاملاً خطة ‏واضحة “الدراسة ثم العودة”، لكن السنوات مضت، وتحولت أربع أو خمس سنوات متوقعة إلى نحو ستة وعشرين عاماً ‏في بلاد الاغتراب.‏ خلال هذه الفترة، أسس العاقل أعمالاً في خدمات الدفع الإلكتروني والتكنولوجيا والاتصالات، واليوم، عاد إلى سوريا ‏للعمل مع شركات الاتصالات والقطاع المصرفي، سعياً إلى نقل نماذج وخبرات اكتسبها خلال سنوات عمله في ‏الولايات المتحدة إلى السوق السورية.‏ بالنسبة للعاقل، لا تتوقف العودة عند الاستثمار أو العمل، بل تحمل معنى شخصياً وإنسانياً، فهو يرى في عودة ‏المغتربين فرصة لرد جزء من الجميل إلى بلدهم، ويعتقد أن الخبرات التي اكتسبها السوريون في الخارج يمكن أن تتحول ‏إلى أدوات تسهم في بناء مستقبل أفضل.‏ بناء الجسور الاقتصادية بين المهجر وسوريا أما قصة جهاد سلقيني، فتحمل جانباً آخر من رحلة السوريين في الاغتراب، حيث غادر سوريا إلى الولايات المتحدة عام ‌‏1980 للدراسة، واستمرت إقامته هناك خمسة وأربعين عاماً، حصل على شهادة في الهندسة الكهربائية، وسجل خلال ‏مسيرته المهنية عشرات براءات الاختراع في مجال الاتصالات.‏ ومنذ عام 1991، بدأ سلقيني مسيرته في تأسيس شركة متخصصة في تصنيع التجهيزات التي تستخدم في بناء شبكات ‏الاتصالات، بما فيها شبكات الجيلين الرابع والخامس، ومع اتساع تجربته في هذا المجال، بقيت علاقته بسوريا ‏حاضرة، ففي سنوات الثورة السورية، ساهم إلى جانب آخرين في إنشاء شبكة اتصالات في مناطق شمال سوريا، بهدف ‏توفير خدمات الاتصال للسكان هناك، في مبادرة جمع فيها بين خبرته المهنية وإحساسه بالمسؤولية تجاه أبناء بلده.‏ مسيرة سلقيني في الولايات المتحدة لم تكن طريقاً ممهداً بالنجاح وحده، فقد حملت سنوات الاغتراب تحديات مرتبطة ‏بالهوية والانتماء، وعاش، كسوري، ظروفاً لم تكن فيها الحياة في الولايات المتحدة سهلة دائماً، ومع مرور الوقت، لم ‏تتحول هذه التجربة إلى حاجز أمامه، بل إلى دافع للحضور والعمل، ليس فقط في مجاله الهندسي، وإنما أيضاً في المجال ‏الذي يجمع أبناء الجالية السورية ويفتح لهم أبواباً أوسع للتعاون.‏ عمل سلقيني أحد مؤسسي مجلس الأعمال الأمريكي السوري، على تحويل حضور السوريين في الولايات المتحدة من ‏مجرد جالية تعيش بعيداً عن وطنها إلى طاقة اقتصادية ومعرفية يمكن أن تخدم البلدين، ومن خلال المجلس، عمل مع ‏رجال أعمال سوريين وأميركيين، وساهم في فتح قنوات تواصل مع شركات أميركية، وصولاً إلى بناء علاقات شكلت ‏جسراً بين الخبرات والفرص في الولايات المتحدة وحاجات سوريا.‏ اليوم، يعود سلقيني إلى سوريا حاملاً معه حصيلة خمسة وأربعين عاماً من العمل والخبرة، لكن أيضاً حاملاً شعوراً بأن ‏ما حققه في الاغتراب يمكن أن تكون له قيمة أكبر حين يوضع في خدمة بلده.‏ من بلاد الاغتراب إلى إقامة مشروعه في سوريا في كندا، خاض ماهر مكحل تجربة مختلفة حيث غادر سوريا عام 2011، وبدأ حياته هناك من الصفر، قبل أن يبني ‏مسيرته المهنية ويكتسب خبرات في شركات عالمية، وبعد سنوات من الاغتراب، عاد إلى سوريا للمشاركة في استثمار ‏جديد، واضعاً خبرته في خدمة مشروع داخل البلاد.‏ يعمل مكحل في قطاع المعدات الثقيلة، وهو قطاع يرتبط مباشرة بالبنية التحتية والإنشاءات والطرق والطاقة، إضافة ‏إلى خدمات مرتبطة بالنفط والغاز والطاقة الشمسية.‏ لكن حديث مكحل عن العودة لا يخلو من البعد الإنساني، فهو يستحضر سنوات الغربة، وكيف تحولت الجالية السورية ‏بالنسبة إليه إلى عائلة وامتداد اجتماعي في بلد بعيد، وفي الوقت نفسه، يؤكد أن الاغتراب لم يكن بالنسبة إليه قطيعة مع ‏الهوية، بل فرصة لاكتساب المعرفة والخبرة مع الحفاظ على الثقافة العربية والإسلامية.‏ ثلاث قصص، وثلاث رحلات مختلفة، يجمعها خيط واحد هو السوري الذي خرج بحثاً عن فرصة، ثم وجد نفسه بعد ‏سنوات أمام فرصة أخرى، ولكن هذه المرة في وطنه فالعودة بالنسبة لهؤلاء ليست مجرد عودة جغرافية، إنها عودة ‏بالمعرفة والخبرة والعلاقات والاستثمار، والأهم عودة بشعور شخصي بالمسؤولية تجاه بلد تركوه يوماً، لكنهم لم ‏يتوقفوا عن حمله معهم.‏
#سوريا#اقتصاد