نبض المدينة، صوت الفرات
آخر الأخبار
اقتصادعاجل16‏/9‏/2026، 11:12:12 ص5

باب المندب يضغط على الاقتصاد العالمي ويرفع فاتورة الطريق الأطول

دمشق-سانا‏ تواجه التجارة العالمية ضغوطاً متزايدة مع اضطرار السفن إلى سلوك طرق أطول ‏وأكثر تكلفة، جراء تداعيات التوتر في مضيق هرمز، ما رفع أسعار الشحن والطاقة ‏والسلع، فيما زادت المخاطر مع التصعيد في باب المندب ووصول ميليشيا الحوثي ‏المدعومة من إيران إلى جزيرة بريم، و‏تقدمها على ا

دمشق-سانا‏ تواجه التجارة العالمية ضغوطاً متزايدة مع اضطرار السفن إلى سلوك طرق أطول ‏وأكثر تكلفة، جراء تداعيات التوتر في مضيق هرمز، ما رفع أسعار الشحن والطاقة ‏والسلع، فيما زادت المخاطر مع التصعيد في باب المندب ووصول ميليشيا الحوثي ‏المدعومة من إيران إلى جزيرة بريم، و‏تقدمها على الساحل اليمني المطل على ‏البحر الأحمر، واضعةً اثنين من أهم الممرات البحرية أمام اختبار جديد يهدد انتقال ‏التوتر من خطوط الملاحة إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.‏ تكلفة زمنية ولوجستية يفرضها تغيير المسار وتظهر حركة سفن الحاويات حجم التحول الذي أحدثته اضطرابات البحر الأحمر، ‏إذ أعلنت شركة “زينيتا” المتخصصة في بيانات الشحن، أن الطاقة الاستيعابية ‏العابرة لباب المندب خلال آب الماضي تضاعفت مقارنة بالشهر نفسه من عام ‌‏2025، لكنها بقيت عند نحو 23 بالمئة فقط من مستويات آب 2023، قبل تفجر ‏أزمة البحر الأحمر. ‏ وبلغ متوسط الطاقة الأسبوعية العابرة للمضيق نحو 212,636 حاوية في آب ‌‏2026، مقابل 930,679 حاوية في الشهر نفسه من عام 2023.‏ ويعني استمرار تجنب جزء كبير من الناقلات للمضيق، أن الطريق البديل حول ‏رأس الرجاء الصالح ما زال حاضراً في حسابات شركات الشحن، وهو مسار ‏أطول يضيف أياماً إلى الرحلات ويزيد استهلاك الوقود والتكاليف التشغيلية. ‏ وتقدر “زينيتا” أن العبور عبر البحر الأحمر بدلاً من الدوران حول رأس الرجاء ‏الصالح يمكن أن يوفر نحو 11 يوماً في رحلة نموذجية من الصين إلى جنوة ‏الإيطالية، ما يوضح حجم التكلفة الزمنية واللوجستية التي يفرضها تغيير المسار.‏ فاتورة تمتد إلى أسعار الشحن تتراكم هذه الزيادة في زمن الرحلات مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بالتأمين ‏والوقود وإدارة الأساطيل، لتنعكس في النهاية على أسعار نقل البضائع، وتظهر ‏بيانات “زينيتا” أن اضطرابات الممرات البحرية في المنطقة دفعت أسعار الشحن ‏على خطوط أخرى إلى مستويات قياسية، إذ ارتفع متوسط الأسعار الفورية من ‏الصين إلى جدة بنسبة 256 بالمئة منذ 28 شباط، بينما قفزت الأسعار إلى ميناء ‏خورفكان بنسبة 479 بالمئة خلال الفترة نفسها، متجاوزة حتى المستويات القياسية ‏التي سجلتها تلك الخطوط خلال اضطرابات جائحة كورونا.‏ وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر بالنسبة للاقتصاد العالمي لأن ارتفاع تكلفة النقل ‏البحري لا يبقى محصوراً لدى شركات الشحن، بل ينتقل تدريجياً إلى المستوردين ‏والمصنعين وتجار التجزئة، ولا سيما عندما تطول مدة الاضطراب وتزداد الحاجة ‏إلى إعادة ترتيب المخزونات ومسارات التوريد.‏ الطاقة تدفع الفاتورة أيضاً ولا تقتصر تكلفة اضطراب باب المندب على حركة الحاويات، إذ بدأت انعكاساته ‏تظهر في سوق ناقلات النفط والمشتقات، بالتزامن مع المخاطر التي تواجهها طرق ‏الطاقة في المنطقة، وبلغت أجور استئجار ناقلات النفط العملاقة من خليج عمان إلى ‏الصين نحو 11.50 دولاراً للبرميل في 11 أيلول الجاري، وفق رويترز، في ‏مستوى قياسي يعكس ارتفاع علاوة المخاطر وتراجع توافر الناقلات في المنطقة.‏ وفي سوق المشتقات، تكشف بيانات شركة فورتكسا المتخصصة في بيانات ‏وتحليلات الطاقة والشحن، المنشورة في 6 أيلول الجاري، أن نحو 200 ألف ‏برميل يومياً من الديزل والغاز أويل، عبرت باب المندب خلال آب الماضي على ‏متن سفن متجهة إلى أوروبا، استحوذت المصافي الهندية على نحو 60 بالمئة منها، ‏في وقت بقيت فيه الصادرات الروسية مقيدة وتراجعت الشحنات الأمريكية إلى ‏أوروبا بنحو 35 بالمئة خلال النصف الثاني من الشهر.‏ ‏ وتظهر هذه الأرقام أن اضطراب الممر لا يتعلق بالنفط الخام وحده، بل يمتد إلى ‏سوق المشتقات التي تعتمد عليها قطاعات النقل والصناعة والتدفئة في أوروبا.‏ النفط أمام عقدتين يتضاعف أثر باب المندب عندما يأتي اضطرابه بالتزامن مع تراجع حركة الملاحة ‏في مضيق هرمز، الذي يمثل منفذاً رئيسياً لصادرات الطاقة الخليجية، وكان ينقل ‏نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً قبل أن يصبح العبور فيه ‏مقيداً بشدة خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، ما دفع دول الخليج إلى ‏الاعتماد بدرجة أكبر على طرق بديلة، بينها المسار عبر البحر الأحمر.‏ وفي هذا السياق، يمكن لأي اضطراب إضافي في باب المندب أن يضغط على ‏مسارات تصدير النفط القادمة من الخليج والمتجهة عبر البحر الأحمر، في وقت ‏تواجه فيه البدائل نفسها ضغوطاً متزايدة، ووفق رويترز، كان خط الأنابيب ‏السعودي شرق–غرب، الذي يتجاوز هرمز ويوصل النفط إلى البحر الأحمر، ينقل ‏خلال الأشهر الأخيرة بين 4 و5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5 ‏بالمئة من الإمدادات العالمية، قبل تعرضه للإغلاق المؤقت عقب هجوم بطائرات ‏مسيرة.‏ خبير دولي لـ “سانا”: المخاطر في باب المندب تهدد تعويض هرمز ويشرح الخبير الدولي في قطاع الطاقة غياث أحمد بلال من برلين لـ”سانا” أن ‏الأسواق العالمية استطاعت حتى الآن امتصاص جزء من صدمة اضطراب هرمز ‏عبر المخزونات وإعادة توجيه الإمدادات واستخدام مسارات بديلة، وفي مقدمتها ‏خط الشرق–الغرب السعودي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، إلا أن جزءاً مهماً ‏من النفط الذي جرى تحويله بعيداً عن هرمز أصبح يعتمد على البحر الأحمر وباب ‏المندب، لافتاً إلى ارتفاع التدفقات النفطية عبر باب المندب إلى نحو 8 ملايين ‏برميل يومياً خلال الربع الثاني من العام.‏ ويحذر بلال من أن اضطراب باب المندب في هذه المرحلة لا يمثل ضغطاً ‏منفصلاً، بل يهدد أحد أهم مخارج التعويض عن اضطراب هرمز، مع تراجع قدرة ‏الأسواق على امتصاص صدمة ثانية بعد أشهر من استنزاف المخزونات وهوامش ‏الأمان، ما قد يدفع أسعار الطاقة والشحن والتأمين إلى مستويات أعلى وينقل ‏الضغوط تدريجياً إلى أسعار السلع والتضخم.‏ وأضاف أن الخطر ليس في اضطراب ممرين بحريين فقط، بل في أن يتعطل ‏الممر البديل بينما لا يزال الممر الأصلي تحت الضغط.‏ من الممرات إلى التضخم لا تتوقف تكلفة اضطراب باب المندب عند السفن، إذ تنتقل تدريجياً من شركات ‏الشحن إلى المستوردين وصولاً إلى المستهلك، مع ما يفرضه تغيير المسارات من ‏وقود وتأمين ووقت إضافي، وما يسببه تأخر الشحنات وارتفاع أسعار الطاقة من ‏أعباء على النقل والإنتاج. ‏ وفي هذا السياق، خلصت دراسة لصندوق النقد الدولي، نشرت في شباط 2026، ‏إلى أن تأخر الشحنات لمدة 100 ساعة يمكن أن يرفع تضخم أسعار المستهلك بنحو ‌‏0.5 نقطة مئوية عند بلوغ أثره ذروته بعد نحو خمسة أشهر.‏ ومع استمرار المخاطر في باب المندب وتزامنها مع اضطراب مضيق هرمز، ‏تتسع الضغوط على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، لتتحول الممرات البحرية من ‏طرق لعبور السلع والطاقة إلى عامل مباشر في تحديد تكلفتها، وتصبح المسافة ‏الإضافية التي تقطعها السفن فاتورة اقتصادية يدفعها العالم.‏
#سوريا#اقتصاد