
رياضة15/9/2026، 4:51:03 م4
الشعر النبطي.. ذاكرة العشائر من المشافهة إلى التوثيق
إدلب-سانا حفظ الشعر النبطي عبر أجيال متعاقبة جانباً من تاريخ العشائر وذاكرة مجتمعاتها، وسجل في قصائده تفاصيل الحياة والعادات والقيم والأحداث والبيئة البدوية، لتنتقل رواياته من جيل إلى آخر بالمشافهة، قبل أن تجد طريقها إلى التدوين والدراسة. وعلى هامش معرض إدلب للكتاب، أتاحت ندو
إدلب-سانا حفظ الشعر النبطي عبر أجيال متعاقبة جانباً من تاريخ العشائر وذاكرة مجتمعاتها، وسجل في قصائده تفاصيل الحياة والعادات والقيم والأحداث والبيئة البدوية، لتنتقل رواياته من جيل إلى آخر بالمشافهة، قبل أن تجد طريقها إلى التدوين والدراسة. وعلى هامش معرض إدلب للكتاب، أتاحت ندوة “تاريخ العشائر والشعر النبطي” لـ سانا فرصة الوقوف مع عدد من المختصين عند جذور هذا اللون الشعري وخصائصه، ودوره في حفظ الذاكرة الاجتماعية وتوثيق ملامح البيئة التي نشأ فيها وما حمله من أخبار وتجارب وقيم. ديوان العشيرة قبل الورق وأكد محمد علوش، مدير المكتب الإداري والشرعي في القبائل والعشائر بمديرية إدلب، أن الشعر النبطي أدى منذ القدم دوراً في توثيق المواقف والأحداث وحفظها في الذاكرة الشعبية، لارتباطه الوثيق بحياة البدو الرحل ولغتهم وبيئتهم، واستمداده موضوعاته وصوره من تفاصيل حياتهم اليومية. وأوضح علوش لـ سانا أن الشاعر، قبل ظهور السجلات ووسائل التوثيق الحديثة، كان يؤدي دوراً في حفظ جانب من تاريخ جماعته، إذ قد يحمل بيت شعري نسباً، أو يوثق صلحاً عشائرياً، أو يخلد واقعة أو معركة، ما منح القصيدة وظيفة تتجاوز الإلقاء إلى حفظ الأخبار والعادات والقيم وتناقلها بين الأجيال. وأشار إلى أن الشعر النبطي متوارث منذ أزمنة بعيدة، وتربطه صلات بالموروث الشعري العربي القديم، لافتاً إلى استمرار حضوره في المجالس والمناسبات العشائرية حتى اليوم. وبحسب علوش، ما زالت القصيدة النبطية تحتفظ بقدرتها على مخاطبة وجدان الناس والتعبير عن المواقف بلغة مألوفة لديهم، ما أبقى لها حضوراً ملحوظاً في إدلب ومناطق سورية أخرى، رغم التحولات التي طرأت على أنماط الحياة. من الذاكرة الشفوية إلى التوثيق ومع مرور الزمن، انتقل الشعر النبطي من التداول الشفوي في المجالس والبيئات العشائرية إلى التدوين في الكتب والمعاجم والدراسات، ما أسهم في حفظ نصوصه والتعريف بشعرائه وتثبيت جانب من الموروث الذي تناقلته الأجيال مشافهة. وفي هذا السياق، أوضح الشاعر نادر رزوق، الموثق في “معجم الرابطين للشعراء العرب المعاصرين” الصادر في الكويت، أن الشعر النبطي نشأ في البيئة الصحراوية وارتبط بالحياة البدوية في مناطق الجزيرة العربية، وانتقل بين الأجيال عن الآباء والأجداد. وأشار رزوق إلى أن الشعر النبطي شعر موزون في طبيعته، وظهرت اجتهادات متعددة عملت على تحديد أوزانه وتقطيعاته وتصنيفها. ولفت إلى حضوره أيضاً في فترات الصراع والحروب بين القبائل، إذ استخدم في التعبير عن المواقف والحماسة ومواجهة الخصوم، ونقل أخبار المعارك والوقائع، وحفظ جانب من العادات والتقاليد والأنساب، ليشكل أحد مصادر الذاكرة الشفوية للمجتمع. ورأى رزوق أن القصيدة النبطية تحمل ملامح البيئة التي خرجت منها بما تتضمنه من لهجة وقيم وعادات وتفاصيل اجتماعية، معتبراً أن توثيق هذا الشعر يسهم في حماية جانب من الذاكرة الشعبية من الضياع، ولا سيما مع عودة جيل جديد إلى الاستماع إليه وكتابته والاهتمام بموروثه. وأضاف أن المعارض والندوات والفعاليات الثقافية أسهمت في توسيع دائرة التعريف بالشعر النبطي، وفتحت المجال أمام الشباب للتعرف إليه في سياق ثقافي معاصر، ونقله من نطاق المجالس والمناسبات الاجتماعية إلى فضاءات أوسع من البحث والقراءة والتوثيق. المرأة وحفظ الذاكرة وحضرت المرأة أيضاً في مسار حفظ هذا الموروث، إذ تقول وليدة شلاش من ريف معرة النعمان: إن أمهاتها وجداتها كن يحفظن مئات الأبيات ويرددنها في السهرات وأثناء العمل وفي مناسبات الفرح والحزن. وترى شلاش أن الشعر النبطي كان بالنسبة إلى أجيال سابقة وسيلة لاكتساب القيم والأخلاق مثل الكرم والوفاء، مؤكدة أن سنوات الثورة شهدت بروز قصائد وشعراء عبروا عن واقع الناس وتجاربهم. وأكدت أهمية تعريف الجيل الجديد بهذا اللون الشعري، معتبرة أنه لا يمثل مجرد كلام ارتجالي، بل يحمل جانباً من التاريخ المتداول بالعامية، ويمس وجدان الناس وواقعهم. ويعد الشعر النبطي أحد أبرز ألوان الأدب الشعبي العربي، إذ ارتبط ببيئة البادية والعشائر، وتميز بلغة قريبة من الناس وموضوعات تنوعت بين الفخر والمدح والهجاء والحكمة والغزل، وظل زمناً طويلاً وسيلة لنقل الأخبار والتاريخ الشفوي قبل أن يتجه إلى التدوين والجمع في دواوين ومعاجم متخصصة. ومع انتقال جانب كبير من الموروث الشعبي من الذاكرة الشفوية إلى الكتب والتسجيلات والمنصات الحديثة، يبقى الشعر النبطي شاهداً على الطريقة التي حفظت بها المجتمعات تفاصيل حياتها خارج السجلات المكتوبة، بما تحمله قصائده من لهجات وصور وعادات ومفردات تعكس تحولات البيئات التي أنتجته. وكان الشعر النبطي رُشّح رسمياً للتسجيل ضمن ملف عربي مشترك عابر للحدود على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، في خطوة تعكس الاهتمام بصونه وتوثيقه بوصفه جزءاً من الموروث الشعبي العربي.
#سوريا#رياضة
